الحرب العظمى القادمة

تم نشره في الخميس 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • أوراق متساقطة على صلبان صغيرة في "حقل التذكار" في وستمنستر أبي، لندن – (أرشيفية)

غراهام أليسون – (الواشنطن بوست) 9/11/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يوم الأحد، توقف العالم قليلاً لإحياء الذكرى المائة لليوم الأخير من حرب هائلة كانت مدمرة إلى حد أنها تطلبت من المؤرخين ابتكار تصنيف جديد تماما لها: "الحرب العالمية". وفي الساعة الحادية عشرة، من اليوم الحادي عشر، من  الشهر الحادي عشر من العام 1918، صمتت مدافع الحرب العالمية الأولى –وكان نحو 20 مليون إنسان قد لقوا حتفهم.
هل يمكن أن يحدث مثل هذا الصراع اليوم؟ بعد أكثر من سبعة عقود مرت من دون حرب تضمنت إطلاق النار بين القوى العظمى، يجد العديد من الأميركيين فكرة أن تقوم الولايات المتحدة وخصم رئيسي، مثل الصين، بقتل الملايين من مواطني بعضهما البعض، غير قابلة للتصور فعلياً.
ولكن، عندما نقول أن شيئاً ما "لا يمكن تصوره"، فإن علينا أن نتذكر ما يلي: أن مملكة الممكن لا ترتبط بما يمكن أن تتخيله عقولنا المحدودة. في العام 1918، وفي مشهد وصفته رائعة باربارا توخمان، "بنادق آب"، استجاب المستشار الألماني ثيوبالد فون بيتمان-هولويغ بذلك الرد الشهير على زميل طلب معرفة كيف أمكن أن تندلع الحرب: "آه، لو أننا كنا نعرف فقط"!
يتعقب السبب البنيوي الأعمق للحرب العالمية الأولى نمطاً تاريخياً مألوفاً: قوة صاعدة متنامية بسرعة، ألمانيا، والتي تتحدى أسبقية دولة راسخة، بريطانيا العظمى، التي حكمت العالم لمدة قرن. وقد التقط والد ومؤسس التاريخ، ثوسيديديس، هذا النمط في تحليله للحرب التي دمرت الدولتين الرئيسيتين في اليونان الكلاسيكية: "كان صعود أثينا والخوف الذي غرسه هذا الصعود في إسبارطة هو الذي جعل الحرب حتمية". وفي السنوات الخمسمائة الماضية، شهد العالم 16 حالة هددت فيها قوة صاعدة بالحلول محل قوة حاكمة. وقد انتهت 12 منها إلى الحرب، وكانت 4 فقط هي التي لم تفعل.
في هذه الدينامية الخطرة –فخ ثوسيديديس- يصبح كلا المتنافسين مكشوفين بشدة أمام استفزازات طرف ثالث، أو حتى أمام الحوادث التي تثير سلسلة من ردود الفعل، والتي يجدان نفسيهما في نهايتها وقد أصبحا في حرب لا يريدانها. في اليونان القديمة، كان الذي فجر الحرب صراعاً بين حليف مشاكل لإسبارطة، وبين مدينة-دولة كانت تسعى إلى التحالف مع أثينا. وفي العام 1914، كان الذي فجر الصراع هو اغتيال مسؤول ثانوي، الأرشيدوق فرانز فرديناند من النمسا. وبدا مقتله في حزيران (يونيو) غير مهم على الإطلاق بالنسبة للقادة في بريطانيا العظمى وألمانيا، لدرجة أن أياً منهم لم يكلف نفسه عناء قطع إجازته. ومع ذلك، وبعد خمسة أسابيع فقط، أدت هذه الشرارة إلى اندلاع حريق أفضى في النهاية إلى تدمير جميع الدول الكبرى في أوروبا.
واليوم، يمكن أن تؤدي المنافسة التي تزداد كثافة بين الصين الصاعدة والولايات المتحدة الحاكمة إلى حرب لا يريدها أي من الطرفين، والتي يعرف كلاهما أنها ستكون أكثر كارثية بكثير من الحرب العالمية الأولى. لكنها منافسة من النوع المألوف، والتي يمكن أن نتطلع فيها إلى التاريخ لاستخلاص بعض الدروس. وكما هو واقع الحال، فإنها ليست لدى قادة الأمن القومي في أي من البلدين أي خبرة مباشرة في التعامل مع حرب ساخنة بين قوتين عظميين. ولذلك، يجب عليهم دراسة سلوك رجال الدولة السابقين الذين واجهوا تحديات مماثلة.
في صيف العام 1962، قبل أشهر قليلة فقط من نشوب أزمة الصواريخ الكوبية، وجد جون ف. كينيدي، الذي كان من حسن حظه أنه قرأ كتاب توكمان، نفسه مطارداً بكلمات بيتمان هولويج. وهكذا، طبق كنيدي، في إدارة أخطر أزمة نووية شهدها العالم على الإطلاق، دروساً استخلصها بوضوح مما فعله رجال الدولة –وما فشلوا في فعله- في الحرب العالمية الأولى.
ما هي تلك الدروس لقادة اليوم في بكين وواشنطن؟ ثمة ثلاثة دروس تعتلي رأس القائمة: إدراك واقعي للمخاطر المتأصلة في المنافسة الثوسيدية الحالية؛ والمبادرات التعاونية لنزع فتيل أو منع نشوب أخطر الأزمات المحتملة؛ والتحضير لإدارة الأزمات التي لا بد أن تحدث مع ذلك.
لتعظيم فرص إضافة المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إلى القائمة المختصرة للحروب التي تم تجنبها، يجب أن تركز المبادرات المشتركة لمنع الأزمات على السيناريوهات التي من المرجح أن تؤدي إلى تصعيد غير مرغوب فيه. وفي هذا الإطار، يُعتبر التعاون الحالي بين الولايات المتحدة والصين ضد التقدم النووي لكوريا الشمالية أمراً مشجعاً. ولكن، في حال فشل هذا الجهد –وهو ما يراهن معظم الخبراء على أن سيفعل- واستأنفت كوريا الشمالية اختبار الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والرؤوس النووية التي يمكن أن تضرب الوطن الأميركي، فإن هذه الصورة المضيئة يمكن أن تُعتِم بسرعة. فقد يشعر الرئيس ترامب عندئذٍ بأنه مضطر إلى مهاجمة كوريا الشمالية لمنعها من الحصول على مثل هذه القدرة. وإذا قامت الولايات المتحدة بمهاجمة كوريا الشمالية، فإن معظم الخبراء يتوقعون نشوب حرب كورية ثانية –والتي تضع الأميركيين، كما فعلت الحرب الأولى في مواجهة الصينيين.
كما تشكل تايوان نقطة اشتعال أخرى أيضاً. وبالنسبة للصين، تشكل تايوان "مصلحة جوهرية" -وتعتبر جزءاً من الصين بقدر ما هي ألاسكا جزء من الولايات المتحدة. ويمكن أن تصبح أي محاولة تبذلها تايوان لأن تصبح دولة مستقلة حجة للحرب بسهولة. وفي العام 1996، عندما اتخذت الحكومة التايوانية خطوات أولية نحو الاستقلال، أجرت الصين اختبارات صاروخية شاملة وأحاطت بالجزيرة لتجبرها على التوقف. ومنذ ذلك الحين، تقوم الصين ببناء قدرات عسكرية معينة -مثل الصواريخ المضادة لحاملات الطائرات- لضمان أن لا تحتاج إلى التنازل مرة أخرى أبداً. وإذا تم إغراق حاملة أميركية واحدة في مواجهة مماثلة اليوم، فإن مقتل 5.000 أميركي يمكن أن يضع المواجهة بين الولايات المتحدة والصين على سلم تصاعدي ليست له نقطة توقف واضحة.
يتطلب الإعداد لإدارة هذه الأزمات المحتملة اتخاذ مجموعة كاملة من الاحتياطات. ويبدأ ذلك بتحديد الأزمات المحتملة، وإجراء التمارين بإدارة نقاشات حول الطاولة لتستكشف الاستجابات؛ وخلق قواطع الدارات الكهربائية التي تمنع التصعيد التلقائي، والأهم من ذلك، إقامة قنوات اتصال قوية. وفي العلاقات الحالية بين الولايات المتحدة والصين، لا يشمل هذا مجرد التواصل المنتظم بين الرئيسين، وإنما يشمل أيضاً الخط الساخن الذي أنشئ مؤخراً بين وزارتي الدفاع والاتصالات في مستويات القيادة الأدنى في البلدين.
ولكن، هل ستكون هذه الخطوات الوقائية والتخفيفية كافية للسماح للولايات المتحدة والصين بالإفلات من فخ ثوسيديديس؟ أشك في ذلك. وما لم يفشل الرئيس شي جين بينغ في تحقيق هدفه المتمثل في "جعل الصين عظيمة مرة أخرى"، فستواصل الصين تحديها للولايات المتحدة -وفي العديد من المجالات، إزاحة الولايات المتحدة من موقعها المعتاد على قمة النظام العالمي والحلول محلها.
إن ما نحن في حاجة إليه اليوم لا يقل عن وضع مفهوم استراتيجي جديد يعيد تعريف جوهر هذه العلاقة. وللحصول على الإلهام واستخلاص القرائن، يجب أن ننظر في الطريقة التي أعاد جيه. أف. كنيدي بها تأطير المنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وفي خطابه الاحتفالي الشهير الذي ألقاه في الجامعة الأميركية قبل أشهر قليلة من اغتياله، اقترح كنيدي الانتقال إلى ما بعد الحرب الباردة غير المحدودة، في اتجاه بناء "عالم آمن للتنوع". ومع قناعته الراسخة التي لا يشوبها الشك بأن عالماً حراً بقيادة الولايات المتحدة سيكون أفضل من واحد تقوده الإمبراطورية الشيوعية، فقد اقترح مع ذلك أن تجد الولايات المتحدة طريقة للعيش مع خصم قاتل يدافع عن قيم يمقتها كنيدي نفسه.
هل يمكن أن تجد الولايات المتحدة والصين طريقهما إلى دينامية تتنافسان من خلالها بسلام؟ هل يمكننا أن نبتكر مفهوماً جديداً يجمع بين المنافسة القاسية في بعض المجالات وبين التعاون العميق في مجالات أخرى؟ ينبغي لإحياء ذكرى الدمار الذي لا معنى له والذي وصل إلى نهايته قبل 100 عام، أن يدفع إلى زيادة في الخيال الاستراتيجي للتصدي للتحدي الرئيسي الكامن الذي يواجهه هذا القرن.

*المدير السابق لمركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في جامعة هارفارد، وأستاذ دوغلاس ديلون للحكم في كلية كنيدي في جامعة هارفارد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The next great war

التعليق