علاقات إنسانية تطغى عليها المادة وتسلبها دفء المشاعر

تم نشره في السبت 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • اشخاص يعتبرون المادة أساسا للعلاقات الاجتماعية -(ارشيفية)

ربى الرياحي

عمان- بحزن وقهر ومرارة، ينظر الأربعيني محمود إلى موقف زوجته السابقة التي اختارت الانفصال على البقاء معه، ويقول "تسع سنوات من العشرة لم تكن كافية أبدا لتجاوز سلسلة طويلة من الخلافات العقيمة واتهامات التقصير"، تلك التي كانت توجهها له متعمدة راغبة في استفزازه والتقليل من شأنه بدون أدنى إحساس بالذنب.
ويضيف "متطلباتها الكثيرة ولجوؤها للمقارنة باستمرار بين وضعها المادي ووضع صديقاتها، كلها أسباب أسهمت في تأجيج النيران"، حتى وصل بهما الحال إلى تبادل الكراهية والحقد والإيذاء النفسي.
ويتابع "أصعب ما في الموضوع أنها استطاعت أن تتجاهل تماما الحب الذي جمعنا معا لسنوات طويلة، سامحة لنفسها أن تنخدع بالمظاهر الكاذبة الزائفة، غير مكترثة للمشاعر التي من شأنها أن تقوي من ترابطنا وتمنحنا الفرصة لكي نعيش بدفء وأمان واستقرار، ويكون بإمكاننا بذل جهد أكبر من أجل تحسين وضعنا".
ويؤكد محمود أنه كان يتألم كثيرا كلما نظر في عينيها البائستين، داخلهما هناك كان يقرأ الكثير من الكلمات التي لم تقلها له بعد، كلها كانت تؤدي إلى نقطة واحدة وهي الانتقاص من رجولته فقط، لأنه ظل محتفظا بمبادئه وإنسانيته لم يسمح للمادة أن تغيره وتفقده احترامه لنفسه.
علاقات إنسانية كثيرة كان مصيرها الفشل، تصدعات من الداخل أظهرت حقيقة هشاشتها وعدم قدرتها على الوقوف في وجه العواصف، والاستسلام لتلك القسوة التي تفرضها المادة على حياتنا، وتبعدنا قدر الإمكان عن مشاعر دافئة قد لا تتكرر وربما نصبح أغرابا عنها تحركنا فقط الرغبة في امتلاك المال، حتى لو كان الثمن هو خسارة أشخاص نحبهم ويعنون لنا الكثير.
أما أبو عمر الذي صدمته الحياة بأعز أصدقائه، فيرى أن طغيان المادة على علاقاتنا أفقدنا إنسانيتنا، فلم نعد نبالي إطلاقا بحجم الوجع الذي يخلقه في قلوب كانت تعتقد أن المشاعر هي أغلى ما نملك، وبدونها تصبح الحياة صحراء قاحلة يستوطنها الجفاف.
ويقول "كم هو مؤلم أن تنتهي صداقة دامت لمدة عشرين عاما من الثقة والاحترام والتشارك، صداقة فيها الكثير من المواقف  التي توثق حتما المحبة الخالصة البعيدة كل البعد عن المصالح المادية".
ويكمل "المواقف وحدها هي من تظهر معادن الأشخاص، وإلى أي درجة يمكن لنا أن نعتبرهم سندا لنا نتكئ عليه في لحظات ضعفنا وإخفاقاتنا. نحن في تلك الأوقات بالذات نستطيع أن نغربل أصدقاءنا الحقيقيين الذي يستحقون فعلا أن نبقيهم في حياتنا".
ويلفت إلى أن خسارته لصديقه الوحيد حقيقة مرة آلمته وجعلته يفقد الثقة بمن حوله، كل ذلك لأنه توقع منه أن يكون أول من يقف إلى جانبه بعد إفلاسه وتراكم الديون عليه، توقع منه أن يكون الملاذ واليد الحانية التي من شأنها أن تنشله من الضيق وتوصله إلى بر الأمان، لكن ما حدث كان معاكسا للتوقعات تماما، فقد أضاف إلى خيباته خيبة جديدة، وذلك عندما لجأ إليه ليعينه في سداد ديون كادت أن تودي به إلى السجن. 
أبو عمر يرى اليوم أن هناك قيما نبيلة تشوهت بفعل المادة وباتت تفتقر لذلك الدفء الذي يضفي على العلاقات الإنسانية شيئا من الترابط والعمق والإحساس المجرد من كل مصلحة مادية.
وتعيش أم محمد المرارة ذاتها بسبب انقطاع علاقتها بابنتها الوحيدة، تقول "إن قرارا واحدا نتخذه في لحظة تسرع كفيل بأن يدمر علاقة من أسمى العلاقات الإنسانية. أوهام كثيرة قادرة على أن تجرفنا إلى حافة الهاوية وتحديدا تلك المتعلقة ببريق المادة الزائف الذي يجردنا أحيانا من إنسانيتنا ومن مشاعر دافئة لا يمكننا تعويضها أبدا".
وتتابع "هناك أسباب كثيرة"، لكنها من وجهة نظرها ليست مبررا كافيا بأن تغرق البعض في وحل الماديات، وتحرمهم من أن يعيشوا الحب الخالص ويكونوا أكثر صدقا واحتراما لأنفسهم، أهمها الفقر وكثرة المغريات وغياب القناعة والشعور الدائم بالنقص، وهذا تماما ما حدث مع ابنتها التي قررت أن تتخلى عن عائلتها في سبيل الزواج من رجل ثري يكبرها بعشرين عاما غير مبالية بالقطيعة، وبذلك الحكم الذي بموجبه ستعيش بقية عمرها وحيدة بعيدة عن قلوب تحبها بدون أي شروط.
وتؤكد أنه ورغم كل التحصينات التي نقدمها لأبنائنا لنحميهم من تقلبات الحياة ومن أن يكونوا عبيدا للمادة، إلا أن ذلك قد يتهدم أمام أول اختبار يخوضونه باعتبارهم أبناء هذه الحياة الصعبة القاسية.
ويرى الاستشاري الاجتماعي الأسري مفيد سرحان، أن الإنسان اجتماعي بطبعه؛ أي أنه لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، وجزء من نجاح الإنسان يكون بمدى تفاعله وتعاونه مع الناس، لأن الشخص مهما كان مستواه العلمي أو الثقافي أو الاجتماعي بحاجة إلى الآخر، وإن كثيرا من الحاجات لها أهمية تفوق الحاجة المادية كحاجته للصداقة والمشورة والرأي والأنس وغيرها.
ويشير إلى أن بعض الأشخاص للأسف يربط علاقته بالآخرين بالمصلحة المادية، بمعنى أنه يبحث عن أشخاص يمكن له أن يستفيد منهم، ومثل هذه العلاقات، وإن كان يبدو للبعض أنها ناجحة وقوية، إلا أنها علاقات مؤقتة تنتهي بمجرد انتهاء المصلحة لأحد الأطراف أو طمع طرف بالطرف الآخر، والأصل أن تكون العلاقة بعيدة عن المصالح.
ويضيف "وهذا لا يعني أن العلاقات بين الناس والصداقات ليس فيها جزء مادي، بل إن من صفات الصديق الناصح لصديقه أن يقف معه بالأزمات وأن يساعده قدر المستطاع سواء بالرأي أو المشورة أو النواحي المادية وأكثر من ذلك".
ويقول "هناك من هدم العلاقة الزوجية على أساس مادي، كمن يبحث عن فتاة ذات مال، وإن كانت لا تتوفر فيها أي شروط أخرى من الشروط الضرورية لنجاح العلاقة، وأيضا هناك فتيات يبحثن عمن يملك المال، وهنا تكون العلاقة معرضة للانهدام".
ويعلل "وذلك بتغير الطرف المادي لأحدهما أو عدم استعداده للدفع أو الإنفاق، وأكثر من ذلك يمكن إنهاء العلاقة من جانب الرجل، لأنه أصبح يبحث عن فتاة أكثر مالا".
ويشدد على ضرورة تربية الأبناء والجيل على عدم اعتبار المادة أساس العلاقات الاجتماعية على أهميتها، بل أن الأساس هو القيم والاحترام والقدرة على خدمة الآخرين.
ويقول الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة "إن المجتمع في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات تحولت فيه القيم الأخلاقية إلى قيم مادية بحتة، حتى بدأت هناك سيطرة واضحة وحقيقية على شتى مناحي حياة الإنسان، وشمل ذلك علاقاته، وأيضا طرق تفكيره".
ويضيف "تشوهات كثيرة وشروخ يصعب ترميمها باتت أكثر ما يميز علاقاتنا الإنسانية كالحب والزواج والصداقة، جميعها أصبحت مبنية على المنافع المادية الخالية حتما من الدفء والاحترام والثقة، فلم يعد هناك تقدير للمشاعر الحقيقية، بل عدد لا يستهان به قرر وبدون أدنى إحساس بالذنب أن ينحيها جانبا، ويبحث بالمقابل عن أمور أخرى ترضي مطامعه ورغبته الجامحة في امتلاك المال حتى لو كان ذلك سيخسره احترامه لذاته وسيبرئه من إنسانيته التي يرى أن في تنازله عنها قوة له".
ويتابع "هؤلاء تحديدا يقيسون قيمتهم بقيمة ما يمتلكونه من أموال، مثل هؤلاء لا يترددون أبدا باتباع جميع الطرق الملتوية للوصول إلى غاياتهم".
ويبين أنه بظهور ملامح الحياة الجديدة واقتصارها على الجانب المادي أخذت لغة الحب تتلاشى تدريجيا، والبيوت تعاني برودا في المشاعر وأصبح الآباء والأمهات مضطرين للغياب فترات طويلة عن أبنائهم في سبيل تأمين متطلباتهم لدرجة أن الأسر افتقدت دورها الأساسي في التربية والتقويم.
ويرى أن من سلبيات طغيان المادة على علاقاتنا الإنسانية وجود فراغ عاطفي وثقافي داخل الأسر وتزايد الخلافات والضغوطات النفسية التي تمنعنا بالتأكيد من أن نعيش بسلام ومحبة، وأن نحس بغيرنا، وهذا طبعا يتطلب منا أن نعي التفكير بحقيقة علاقاتنا وضرورة بنائها على الحب والدفء، بدلا من المصالح المادية الخالصة.

التعليق