حماس ونتنياهو والمصالح مشتركة

تم نشره في السبت 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • فلسطيني يتفقد بقايا منزله المدمر جراء القصف الجوي الإسرائيلي على قطاع غزة .-(ا ف ب)

هآرتس

عميرة هاس

16/11/2018

أعلنت حماس عن انتصار عظيم بعد كل هجمة من الهجمات الإسرائيلية الثلاث الكبرى منذ العام 2008 التي خلفت قتلى كثيرين ودمارا كبيرا في القطاع. إذا كيف لا تعلن عن الانتصار في الوقت الذي فيه الـ 400 صاروخ التي أطلقتها (وقتل شخص بصواريخها، هو عامل فلسطيني) لم تنته بحرب رابعة؟ ان عرض الانتصار يشير إلى الازدواجية في رؤية حماس الذاتية، كما تظهرها للخارج: منظمة تقاوم الاحتلال الكولونيالي من جهة، ومن جهة اخرى صاحبة السيادة في قطاع غزة التي تعبر عن ارادة الله والشعب (في انتخابات 2006، لكن من يحسب) والتي تخطو إلى قيادة الشعب الفلسطيني كله. كمقاومة، حماس تتفاخر بانتصارات حقيقية أو مزيفة.
كصاحبة سيادة، يوجد لديها موظفون يجب أن تدفع لهم الرواتب، وشوارع يجب أن تشقها، هي سعت إلى وقف إطلاق النار. هنا، كما في حقائب الأموال القطرية، حماس التقت في مفترق طرق مع المصالح المشتركة مع نتنياهو: ضمان استمرار حكم حماس في القطاع، شريطة أن يكون هذا فقط في القطاع، أي بشرط أن يستمر الانقسام الفلسطيني الداخلي، الذي يعني استمرار الضعف السياسي الفلسطيني العام.
إن كشف الوحدة الإسرائيلية التي تسللت للقطاع لتنفيذ عملية هناك (كالعادة، التي بشكل عام لم تكشف) هو حقا إنجاز لمقاتلي عز الدين القسام. شاهد عيان (مثل الصواريخ) على زيادة مهنية حماس العسكرية. هذه ليست مهنية لمجموعة عصابات في الغابة، بل منظمة تعتبر نفسها رأس دولة عليها الدفاع عن سيادتها والرد على كل اختراق. الإعلام الإسرائيلي عمل قصة كبيرة من شاب غزي نجح في الوصول إلى دفيئة في مستوطنة نتيف هعساراه، واعتبرت ذلك فشلا أمنيا فظيعا.
لماذا لا يتوقع الإسرائيليون من حماس أن تتعامل مع الدخول العسكري المعادي الذي تم اكتشافه على أنه أمر كبير، فقط لأنه أمر معتاد وبشكل عام لم يكشف؟  حتى حماس التي يتم التعامل معها كرأس شبه دولة لا يمكنها أن ترى في اختراق دائم كحق ثابت لإسرائيل، حتى لو كان هذا الأمر يقوم به الجيش كل يوم بشكل علني في الجيوب الفلسطينية في الضفة الغربية ودون أي رد.
جزء حيوي لشق طريق حماس في المستقبل نحو قيادة فلسطينية شاملة، وربما معترف بها (سواء في م.ت.ف غير القائمة التي ستحظى بالتنفس الاصطناعي أو تحت مظلة جديدة) هو الإعلان عن انتصارات عسكرية كبرى لها في الحرب. ياسر عرفات عرف في السابق كيف يحول معارك دموية أو فاشلة إلى انتصارات في الوعي، وإلى مسارات نحو قيادة النضال على الاستقلال.
هذا الأسبوع خوف الإسرائيليين في قطاع غزة من الصواريخ تم عرضه كانتصار، أيضا الحافلة العسكرية التي احترقت والتقارير عن الخسائر في الاقتصاد الإسرائيلي، كل ذلك هو ميداليات لحماس. المنافسة ليس فقط مع إسرائيل، بل بالأساس مع حركة فتح. استقالة ليبرمان هي الذروة، كأس بلاتيني. وكأس أكبر منه وحقيقي من اجل التغيير، هو التأثر والتشجيع لحماس الذي يظهره الفلسطينيون في الضفة وفي الشتات، التعطش إلى إنجازات واثباتات بأن إسرائيل ليست هي القادرة على كل شيء، من خلال مقارنة غير مشجعة على الاقل لأداء السلطة الفلسطينية في رام الله وقيادتها، التي في كل يوم تزيد من كراهية الجمهور لها.
ولكن لو تم ملء الكؤوس بمياه الحنفيات في غزة، فإنها لن تكون صالحة للشرب. هذا هو التعبير المختصر لسيطرة إسرائيل على الفلسطينيين في القطاع وأيضا في الضفة الغربية: في نهاية الامر هي المقررة الاولى والاخيرة لكمية المياه التي ستتوفر لهم، وما هو مستوى التلوث الموجود فيها. هذه سيطرة مؤلمة أكثر، وهي أكثر تدميرا على المدى البعيد من القدرة على اعطاء أو عدم اعطاء خمسة آلاف تصريح عمل في إسرائيل، التي ستؤدي إلى زيادة الدخل في غزة بآلاف النسب المئوية خلال شهر. لذلك، يجب علينا تصديق نتنياهو عندما يقول إن حماس توسلت من اجل وقف إطلاق النار حتى لو كان هذا التوسل قد تم نقله عبر مبعوثين. لأن قيادة حماس لا تعيش فقط صورتها، فإن الصورة ثلاثية الابعاد التي تضخم صورة الفلسطينيين الذين يعيشون خارج القطاع، بل تعيش أيضا الواقع.
الرغبة الخفية لنصف حماس فقط، في وقف إطلاق النار، هي أيضا الاثبات لحاكميتها ونضوجها في القيادة، كما يبدو أيضا لسيطرة يحيى السنوار على أمنيات الذراع العسكري. الحسابات لم تعد حسابات تنظيم عصابات يعد القتلى الذين اوقعهم في الطرف الآخر، لكن ليس لديه الأدوات لصد امتداد مستوطنات إسرائيل، وهو أيضا لا يحاول القيام بذلك. اعتباراته ليست اعتبارات منظمة تعنى بتجميد عمل السلطة الفلسطينية واحراج الحركة الخصم (فتح) من خلال دفع نشطائها في كتائب شهداء الأقصى إلى المنافسة على من ينجح في قتل عدد أكبر من الإسرائيليين.
الحسابات هي لقيادة مدنية تعيش داخل شعبها وتصغي اليه بهذه الدرجة أو تلك، حتى لو أنه يخاف في ظلها من أن يقول أمام العدسات إنه يخاف وأنه قد مل من الحروب الشاملة، والقيادة تعرف ذلك. وتعرف أيضا أن كل السلاح الإيراني والموجود لديها أيضا والحماسة العصابية لمقاتلي عز الدين القسام لا تعادل القوة العسكرية المدمرة التي يمكن أن تقوم بها غرفة العمليات الإسرائيلية في جبهة واحدة. والقيادة تتذكر أنه يجب حل مشكلة المياه والمجاري والكهرباء.
رغم تصريحاتها حول استعدادها لإجراء انتخابات حتى في الغد، حماس تعرف جيدا أنه لو فازت فيها مرة اخرى فهي لا تستطيع ان تحكم للحظة واحدة في جيوب الضفة الغربية. إسرائيل ستعتقل على الفور منتخبيها، وستجمد مرة اخرى نقل الضرائب، وستصادر الأموال من البنوك. ولكن مشكوك فيه إذا كانت معنية بذلك: ستظهر في حينه عاجزة حقا مثل السلطة الفلسطينية ازاء تعميق السيطرة الإسرائيلية في معظم مناطق الضفة الغربية وشرقي القدس، وتوسيع المستوطنات.
حماس لا تستطيع العودة لأن تكون فقط منظمة عصابات بعد أن بنت قوة تتجاوز قدرة المليشيا، بعد أن رسخت نفسها كحكومة مدنية. حتى لو سمحت إسرائيل بذلك، وهي لن تسمح، فإن السلطة الفلسطينية لن تعود للسيطرة على القطاع إذا استمرت حماس بالاحتفاظ بقوتها العسكرية الخاصة بها، لكن حماس لن توافق على التحول إلى مظلة للجمعيات الخيرية. لذلك ما بقي لهذه المنظمة الإسلامية، المواصلة كما في السابق بدعم من إسرائيل والأموال القطرية، هو أن تبقي في ايديها سيطرتها المدنية والعسكرية في حدود القطاع فقط. الوحدة الفلسطينية والمصالحة ستحافظ على مكانها في التصريحات. وبهذا فإن مشروع الدولة الفلسطينية (في حدود 1967 أو 1948، هذا لن يغير أي شيء) بعيد عن التحقق.
نتنياهو بدعمه للقطاع ككيان سياسي منفصل لا يأتي بجديد. هو يواصل سياسة الحكومات الإسرائيلية السابقة. حتى قبل الانفصال أحادي الجانب الذي قام به شارون في 2005، فإن يتسحاق رابين وشمعون بيرس وايهود باراك سبق وعملوا على فصل سكان القطاع عن باقي السكان الفلسطينيين، وإيهود اولمرت واصل نفس الخط بعدهم.
مهما أعلنوا فإنهم بالفعل احبطوا التسوية السياسية القديمة التي كانت ماثلة أمام معظم دول العالم، عندما منحوا الدعم المالي والسياسي لاتفاق اوسلو: أي اقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها شرقي القدس، التي احتلت في العام 1967. وبدلا من ذلك خلقت حكومات إسرائيل واقع الجيوب الفلسطينية المنعزلة، والفلسطينيون ساهموا في خلق حكم مزدوج. حماس ونتنياهو يثبتان أنه يمكن الحفاظ على هذا الوضع حتى بدون سفك دماء فظيع.

التعليق