الصّحفيات في الجَنُوب.. فرص عمل شحيحة وعقبات كبيرة

تم نشره في الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • انفوجراف لتوزيع المواقع الاخبارية الالكترونية بمحافظات واقاليم المملكة - (الغد)

زينب الفقير *

عمان- تنخفض مشاركة المرأة بالعمل الصحفي بمحافظات الجنوب، رغم وجود اهتمام بالنشاط الإعلامي لدى الشابات. لكن عدم توفر التخصصات الإعلامية بجامعات إقليم الجنوب، وندرة فرص العمل المتاحة أمامهنّ بسبب قلة المؤسسات الصحفية والإعلامية بالإقليم، الذي يضم الكرك، الطفيلة، معان، والعقبة، يشكلان عقبتين أمام ممارستهنّ للعمل الصحفي. أما الفئة القليلة العاملة فتتركز في الإذاعات التي أوجدت مساحة جيدة أمام النساء للانخراط في الإعلام.
العاملات في الإذاعات، خضعن لتدريبات عديدة من أجل تأهيلهنّ لإعداد البرامج وتقديمها، فغالبيتهنّ يخضن تجربتهنّ الأولى بالعمل الإذاعي عقب تأسيس إذاعات تبث من الجنوب، كإذاعة صوت الجَنُوب التي تبث من معان، وتعمل فيها 5 صحفيات وصحفييْن اثنين، بينما تعمل 7 صحفيات وصحفي واحد في إذاعة الطفيلة، وفي إِذاعة صوت العقبة هناك 4 صحفيين وصحفية واحدة، ويدير إذاعة صوت الكرك صحفيان اثنان فقط، إلى جانب المتطوعين والمتطوعات الذين يشكلون أذرعاً أساسية بهذه الإذاعات، بسبب ضعف الإمكانيات المادية.
وعلى مستوى المواقع الإخبارية، فلا يوجد في إقليم الجنوب سوى موقعين إلكترونيين، وكلاهما بالعقبة، من أصل 180 موقعاً مرخصاً في الأردن، غالبيتها في عمان، بينما يعمل 19 موقعاً منها خارج العاصمة، وفقاً لهيئة الإعلام المرئي والمسموع.
الموقع الإلكتروني الإخباري “العقبة اليوم” تديره الصحفية نانسي عجارمة، بمشاركة زميل واحد، ولا يشكل العمل بالموقع  بالنسبة لها مصدر دخل، فهي تعمل كمندوبة لدى الإذاعة الأردنية بالعقبة، وهي الوظيفة الصحفية الوحيدة التي استطاعت تحصيلها بمكان إقامتها، مؤكدة أنها لو لم تنتدبها الإذاعة للعمل في العقبة لما وجدت فرصة أخرى. 
أما موقع “هديل نيوز” فيترأسه ويعمل فيه صحفي واحد فقط، ولم يشغّل أحدا بسبب قلة الموارد المالية.
وفيما يتعلق بالصحف الرسمية والمحطات التلفزيونية، فغالبية مراسليها بالمحافظات الجنوبية من الذكور، وينطبق الأمر على عضوية نقابة الصحفيين، إذ بلغ عدد الصحفيين الأعضاء من إقليم الجنوب العام 2017 (34) صحفياً، منهم (5) صحفيات، علماً أن عدد الأعضاء الكلي (1229) عضواً، منهم (260) امرأة.
ويعزو منسق إقليم الفروع بنقابة الصحفيين في الجَنُوب فيصل بصبوص تدني أعداد الصّحفيات في المُحَافَظات الجَنُوبية إلى ندرة فرص العمل، وانعدام المؤسسات الإعلامية التي تستقطب الخريجين والخريجات على حدّ سواء، إلى جانب منافسة خريجين/ات من تخصصات أخرى على الوظائف الصّحفية.
ويشير بصبوص إلى التحاق إناث من الجنوب بتخصص الصحافة أثناء دراسته الجامعيّة قبل سنوات، لكنهنّ لم يجدن فرص عمل فيما بعد.
بداية صعبة
لم تكن مشاركة المرأة في العمل الصحفي بداية مقبولة في المجتمعات المحافِظة السائدة في الجنوب، فعندما انطلق أول صوت إذاعي أنثوي، عبر أثير “صوت الجنوب” في معان، وبدأت الصحفية فرح أبوهلالة بتقديم البرامج، كان الوضع غريباً بالنسبة للأكثرية، لكن طبيعة العمل الذي تم تقديمه غيّر النظرة إلى الأفضل. كما تؤكد فرح.
وتعبر أبوهلالة عن اعتزازها بكسر الحواجز والمعيقات وخوضها تجربة العمل الإذاعي، وخاصة أنها فتحت الباب للصحفيات الأخريات وشجعتهنّ على العمل الإعلامي، واصفة تجربتها بالـ “مميزة”، كونها عززت من ثقتها بنفسها، وأسهمت في تغيير الفكر السائد الذي كان ينتقد عمل المرأة في الإعلام.
وتؤكد الصحفية في وكالة الأنباء الرسمية “بترا” حنان كفاوين أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة بالإعلام، تغيرت مع الزمن للأفضل، وتقول: “في بداية عملي منذ عشرين عاماً كان زملائي الصحفيين -قبل المجتمع- يستهجنون وجودي في مكان ما، لتغطية حدث أو فعالية، ويشعرونني أن ذلك المكان حكر على الرجال، لكن هذه النظرة تبدلت، بعد أن تمكنتُ من إثبات نفسي بعملي”.
أما المذيعة في “صوت الكرك” أغادير البطوش فوجدت الدعم من عائلتها منذ أن بدأت عملها الإذاعي كمتطوعة. “كانوا يسعدون لسماع صوتي صباحا عبر الراديو”، كما تقول. وعلى الرغم من وجود أصوات داعمة لها حيث كان يصفها البعض بالـ “النشمية”، لكن أصواتاً أخرى كانت تنتقد عملها، “بقولهم كيف لفتاة أن تخرج وتصور أو تحمل المايك”، على حدّ قولها.
وتشير الصحفية المستقلة حنان كركي إلى أن نظرات الاستغراب من عملها الميداني بالشارع كانت جلية، فلم يكن مألوفاً أن تنزل فتاة بكاميرتها إلى الشارع لإعداد تقارير، حتى أن أحدهم ذهب لعمها ذات مرة، ليعبر عن انزعاجه من عملها، كما تروي كركي.
وتُجمع الصحفيات اللواتي قابلتهن معدة التقرير على أن نظرة المجتمع للمرأة الصحفية تغيرت عمّا كانت عليه سابقا، وأصبح عملهنّ مقبولاً ومستحسناً، ويتطابق ذلك مع نتائج استبيان في دراسة حول “تقييم واقع عمل الصّحفيات في الأردن”، صادرة عن المؤسسة الدولية لدعم الإعلام (IMS) عام 2018، أظهر أن 57 % مِن الإِعلاميات المشاركات في الاستبيان يصفن المجتمع، ممثلا بالأسرة، الأقرباء، الجيران والأصدقاء، بأنه مشجع وداعم لمهنة الإعلام، بينما ترى 41 % منهن أنه لا يشجع عملهنّ في الوسط الإعلامي، و2 ٪ يصفنه بأنه غير مؤثر.
النائب السابق ورئيسة شبكة البرلمانيات العربيات الإعلامية رولى الحروب، تؤكد من خلال تجربتها الشخصية في العمل الإعلامي على تغير النظرة المجتمعية للمرأة الصحفية أو المذيعة، وكما تروي “عندما دخلت التلفزيون الكويتي عام 1985 كان هنالك مقاومة شنيعة مِنْ أقاربي وتبرأوا مِنْ عائلتي، واتهموا والدتي بأنها جلبت لهم العار، الآن الأهل يستميتون لأن تصبح بناتهن مذيعات، لكن ليس بنفس درجة أن يكُنّ مخرجات ومصورات وصحفيات”.
عقبات
على الرغم من حدوث تغييرات على البنية الثقافية للمجتمع، والاتجاه نحو تشجيع الإبداع في عمل المرأة والابتعاد عن التقليد، وتكيُّف الأفراد مع مسألة وجودها بالوسط الصحفي، إلا أنه ما زال هناك عقبات تعترض طريق عملهن، فالواقع يفرض نفسه في القطاعات التي تتطلب خروجاً في ساعات متأخرة، مثل قطاع السياسة.
وتبين أغادير البطوش، أنه ما زال صعبا على الصحفيات في الجنوب العمل مساءً، أو تغطية أحداث شعبية أو مظاهرات، مشيرة إلى أنها لم تتمكن من تغطية “أحداث الكرك” العام المنصرم، خوفاً من انتقاد المجتمع لوجودها وسط حشد كبير من الرجال في حدث خطير كهذا، وتضيف “أيضاً لم نكن نشارك بتغطية مسيرات الحراكات الشعبية، ونوكل المهمة لزملائنا من الصحفيين”.
وتتفق كفاوين مع البطوش بأن فكرة العمل المسائي، والتنقل مع المسؤولين في زياراتهم الميدانية صعب لهن، وتقوم المؤسسة عادة باِختيار الصّحفيين لهذه المهمات وبشكل دائم.
عدا ذلك، تواجه الصحفيات تمييزاً من قبل مصادر المعلومات، وتوضح كفاوين ذلك بقولها إن “الصحفي يمكن أن يقيم علاقات صداقة مع المسؤولين بحكم الخروجات المشتركة مثلا، كما يستطيع الصحفي محادثة مصدر المعلومات أو المسؤول في أي وقت للحصول على معلومة أو تصريح، ولا تتمكن الصحفية من ذلك، ولا تستطيع إنشاء علاقات خارج نطاق العمل”.
وتفسر الحروب ذلك في ضوء ذكورية المجتمع، فنحن بحسب رأيها في “مجتمع ذكوري، المرأة لا تستطيع أن تحصل على معلومة سرية مِنْ مسؤول، وقد يمنحها الأخير لصحفي رجل يقوم بالسهر معه ومجاراته في كثير مِنْ الأمور وتربطه معه علاقة وطيدة”. مضيفة أن “كثيراً من المواقف ما زال وجود المرأة فيها مستهجناً، وبالتالي ستكون فرصة حصول الصحفي على معلومة سرية جديدة وغير منشورة أعلى من فرصة المرأة”.
التجارب السابقة تظهر واقع وظروف عمل الصّحفيات في الجَنوب، ويبدو جليّاً أن التّحدي الأكبر الذي يواجهنه هو عدم توفر فرص عمل أمامهنّ، ما يدفعهنّ للتحول إلى العمل في قطاعات أخرى، ومِنْ جهة ثانية، ما زالت العوائق المجتمعية تقيّد حركتهن تماشياً مع متطلبات العمل الصحفي، بسبب عدم مقدرتهن على العمل لوقت متأخر، وعلى التعامل مع كافّة الأحداث.

* منظمة دعم الإعلام الدولي ims.

التعليق