عمالة الأطفال: بين ثالوث وعورة الملف وتحديات الفقر وتعاطف المفتشين

تم نشره في الاثنين 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • طفل (عامل) يجر عربة محملة بالأنقاض -(ارشيفية)

 رانيا الصرايرة

عمان- يقر مصدر مطلع بوزارة العمل أن "وزارته تتبع نهجا متساهلا" مع عمالة الأطفال، لافتا إلى ان مفتشي الوزارة المخولين بالتفتيش على المنشآت التجارية والتأكد من خلوها من أي انتهاكات عمالة، ومن ضمنها وجود أطفال يعملون "عادة ما يتغاضون عن تسجيل مخالفات بحق من يشغّل طفلا" انطلاقا من قناعة أن عمل الأطفال سببه حاجة أهاليهم للمال.
المصدر، الذي فضل عدم نشر اسمه، قال، إن ظروفا أخرى تحكم عمل الوزارة تجعلها "لا تولي الاهتمام الكافي لملف عمالة الأطفال"، مثل تصديها لملفات محاولة إيجاد حلول لمشكلة البطالة ووجود اختلالات بسوق العمل مثل توسع العمل غير المنظم وانتشار العمالة المهاجرة غير الحاصلة على تصاريح.
ولفت الى سبب آخر يتمثل بقلة عدد مفتشي الوزارة، حيث لا يزيد عددهم على 260 مفتشا مطالبون بالتفتيش على آلاف المنشآت والمؤسسات.
رئيسة قسم عمل الأطفال في الوزارة شيرين الطيب لا تؤيد ما قاله المصدر، وتؤكد ان نشاطا دائما يشهده التفتيش على عمالة الأطفال خاصة بالقطاعات التي تنتشر فيها هذه الظاهرة مثل قطاع الميكانيك، لافتة الى وجود 23 ضابط ارتباط في المملكة من ضمن قسم التفتيش مهمتهم التواصل مع قسم عمل الأطفال لتوثيق عدد الحالات التي تم ضبطها بسوق العمل.
وتشير الطيب الى تسجيل العديد من المخالفات، مذكرة بالتقرير الذي نشرته الوزارة في حزيران (يونيو) الماضي الذي يشير الى ان الزيارات التفتيشية المتعلقة بعمل الاطفال بلغت 6 آلاف زيارة خلال عام 2017 وتم التعامل خلالها مع 271 حالة عمل اطفال اردنيين و 123 من جنسيات عربية وتحرير 318 مخالفة لأصحاب العمل، فيما تم خلال الاشهر الخمسة الاولى من عام 2018 تنفيذ 2879 والتعامل مع 105 حالات عمل اطفال، وتوجيه نحو 90 انذارا و89 مخالفة لأصحاب العمل.
وبينت الطيب ان قسمها سجل منذ بداية العام حوالي 350 موافقة على عمل أحداث اعمارهم ما بين 16 -17 وهو السن المسموح به بالعمل بحسب قانون العمل على ان لا تكون اعمالا خطرة، مبينة ان هذا يشير الى نجاح الوزارة في فرض الرقابة على اصحاب العمل ما جعلهم يلجأون الى اخذ الموافقة على تشغيل الاحداث.
وتنص المادة 73 من قانون العمل على منع تشغيل الأحداث (الأطفال) الذين لم يكملوا السادسة عشرة من عمرهم بأي صورة من الصور، فيما حظرت المادة 74 من القانون ذاته تشغيل الأحداث الذين لم يكملوا الثامنة عشرة من عمرهم في الأعمال الخطرة أو المضرة بالصحة.
في سياق متصل، وبمناسبة اليوم العالمي لحقوق الطفل، الذي يصادف غدا الثلاثاء، أكد المرصد العمالي التابع لمركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية في ورقة موقف امس حملت عنوان "حماية الأطفال في سوق العمل الأردني" انه رغم أهمية الجهود والبرامج والمشاريع التي قامت وما تزال العديد من المؤسسات الرسمية والعديد من المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني الأردنية والعالمية والتي تهدف الى اعادة تأهيل الأطفال العاملين واعادتهم الى مقاعد الدراسة، وتحقيق بعض النجاحات في دمج الأطفال العاملين في النظام التعليمي، الا أن رقعة الأطفال المنخرطين في سوق العمل في تزايد مستمر.
وفي هذا السياق تم تقسيم الأطفال الى شريحتين، الاولى تتمثل في الأطفال دون سن 16 عاما، ويحظر تشغيلهم بأي شكل من الأشكال، والثانية تتمثل في الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16-18 عاماً، يسمح بتشغيلهم في مهن غير خطرة وغير مضرة بالصحة.
 وتشير أحدث دراسة مسحية أعدتها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع وزارة العمل ومركز الدراسات الاستراتيجية الى أن عدد الأطفال العاملين يبلغ حوالي 76 الفا، أما الأطفال الذي تنطبق عليهم معايير عمالة الأطفال بلغت ما يقارب 70 ألفا، وأن عدد الأطفال العاملين في أعمال خطرة يقارب 45 الفا.
وتحدثت الورقة عن المخاطر التي قد يتعرض لها الاطفال بسوق العمل وأبرزها الضرر من الآلات الثقيلة والأصوات العالية والإضاءة الضعيفة والتعرض للمواد الكيميائية، ولإصابات عمل عديدة بحكم عدم مواءمة قدراتهم الجسمانية وطبيعة الأعمال التي يقومون بها.
ويتعرض الأطفال العاملون "لسوء المعاملة والاهانات النفسية والجسدية أثناء عملهم، وفي العديد من الحالات الى اعتداءات جنسية، كما يعاني الأطفال العاملون من مشكلات واضطرابات نفسية واجتماعية وجسمية، أما العاملون منهم في المهن الصعبة فيتعرضون للعديد من اصابات العمل التي يمكن أن تسبب لهم بعض الإعاقات".
وأشارت الى أنه غالبا ما تترك الأعمال التي يمارس فيها سلوكيات استغلالية نفسية وجسدية إحساسا بالدونية والظلم، الأمر الذي يدفع العديد من الأطفال للانحراف والتمرد على معايير وقيم المجتمع،  إلى جانب ارتفاع نسب العمالة غير الماهرة في سوق العمل بسبب عدم خضوعهم للتدريب الممنهج، الأمر الذي يجعل إنتاجيتهم متدنية.
واكدت الورقة وجود ضرورة ملحة لإعادة النظر بالسياسات الاقتصادية التي تم تطبيقها خلال العقود الماضية وما زالت تطبق، وهي التي أدت الى زيادة معدلات الفقر، إذ أن "أغلبية الأطفال العاملين ينتمون الى أسر فقيرة، تدفعهم حاجتهم لإخراج أطفالهم من مقاعد الدراسة، أو التساهل في تسربهم من المدارس بهدف المساهمة في توفير مداخيل اضافية تساعد هذ الأسر على تلبية حاجاتها الأساسية".
بدوره لفت الخبير في سياسات سوق العمل حمادة ابو نجمة الى ان عام 2006 شهد  وضع "الاستراتيجية الوطنية للحد من عمل الأطفال" بالتعاون بين وزارة العمل ونحو 35 مؤسسة حكومية وغير حكومية، ترتكز على المبادئ التي أقرتها اتفاقيات العمل الدولية التي صادق عليها الأردن، إلا أن هذه الاستراتيجية لم توضع موضع التطبيق رغم البرامج الهامة التي تضمنتها، وفي عام 2009 تم تشكيل اللجنة الوطنية لعمل الأطفال برئاسة وزارة العمل لتتولى التنسيق بين الجهات المعنية بعمل الأطفال والتشاور حول السياسات والتشريعات ذات العلاقة، إلا أن أداء هذه اللجنة لم يرق إلى المستوى المأمول منها "وتفتقر لآليات العمل الفعالة والاجتماعات الدورية"، كما تم في عام 2011 وضع الإطار الوطني لمكافحة عمل الأطفال، ليحدد أسس التعامل مع حالات عمل الأطفال، والأدوار والمسؤوليات الواجب على الجهات المختلفة تبنيها وخاصة وزارات (العمل والتربية والتعليم والتنمية الإجتماعية)، لتقديم الخدمات للأطفال العاملين وأسرهم بصورة متكاملة وشمولية، لحماية الطفل من الانخراط في العمل، وتعيده إلى مكانه الطبيعي على مقاعد الدراسة.
وقال، "إلا أنه من المؤسف أن الجهد الذي تم في وضع هذا الإطار لم يترجم إلى إجراءات لتطبيقه من الوزارات الثلاث المعنية به، ولم تفعل آليات تطبيقه وبشكل خاص النظام المحوسب المفترض أن يتم من خلاله التعامل مع حالات عمل الأطفال وتبادل المعلومات بشأنها".
ويرى ابو نجمة انه "لا يجوز بأي حال" اعتبار إجراءات التفتيش التي تتولاها وزارة العمل بحق أصحاب العمل ومعاقبتهم حلا نهائيا لمعالجة مشكلة عمل الأطفال، خاصة إذا ما علمنا بأن فقر الأسرة وضعف إمكاناتها المادية تقف خلف معظم حالات عمل الأطفال".
ودعا الى بذل جهود مكثفة للتعامل مع هذه القضية من خلال توفير الخدمات والبرامج التي تحارب الفقر وأسبابه وبشكل خاص "توفير بدائل اقتصادية للأسر كإيجاد فرص عمل لرب الأسرة التي يوجد بها طفل عامل أو للأخ الأكبر بما يمكن الطفل من العودة إلى الدراسة، وإعادة إحياء صندوق الطالب الفقير الذي يجب ان يقدم دعماً يمكن الطالب من التوجه إلى المدرسة، وتوعية آباء الأطفال العاملين إلى أهمية التعليم والآثار السلبية لعمل الأطفال".

التعليق