ذكرى المولد النبوي.. أجواء احتفالية مبنية على المحبة والتعايش

تم نشره في الثلاثاء 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • المسجد النبوي الشريف- (ارشيفية)

تغريد السعايدة

عمان- رسائل تهنئة وتذكير بمناسبة عظيمة يستشعرها كل مسلم بقدوم مولد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، واحتفالات تختلف باختلاف الثقافة والبيئة، تصب جميعها في استذكار صفات الرسول الحميدة، وقدومه لـ"إتمام مكارم الأخلاق"، ونشر قيم التسامح والتعايش في المجتمعات.
وفي الأردن، كسائر الدول الإسلامية، تعيش العائلات على اختلافها أجواء احتفالية في البيوت أو المدارس والمؤسسات المختلفة، تتمثل أولاً بإعلان يوم الثلاثاء عطلة رسمية لجميع المؤسسات الرسمية والخاصة، ما يعد من صور الاحتفال والابتهاج بالمناسبة.
ومن هذه الأجواء، ما تقوم به والدة الطفلة شهد أحمد، التي استعدت لهذا اليوم من خلال شراء الحلوى وتجميعها في أكياس صغيرة، وعليها ملصقات بعبارات التهنئة بالمولد النبوي، لترسلها مع أبنائها، ليتم توزيعها في المدرسة، مبينة أنها تحرص على أن تنمي حب الرسول وأخلاقه في قلوب أبنائها وزملائهم في المدرسة، عدا عن المشاركة في الاحتفال الذي تنظمه المدرسة بهذه المناسبة كل عام.
وتعتقد أم شهد أن تلك الفعاليات من شأنها أن تكون فرصة للحديث عن مناقب الرسول، وحبه للخير، ومساعدته للآخرين بغض النظر عن المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، وترسيخ مبادئ الإسلام السمحة في النفوس.
وتؤكد والدة شهد أن العديد من الأمهات يقمن بالكثير من الإبداعات في هذا اليوم بمساعدة المعلمات، وتتمنى أن يكون الاحتفاء بهذه المناسبة مرتبطاً بتطبيق تلك الأخلاق الحميدة التي نتحدث بها ونعلمها للأطفال، من أجل تكوين مجتمع بأخلاق وعادات حميدة بعيدا عن التشدد.
أنواع مختلفة من الحلوى والزينة تنتشر في هذا اليوم، وتقوم أغلب محال الحلويات بتحضير حلوى "المشبك"، وهذا يعد من الصور الاجتماعية للاحتفاء بهذه المناسبة، كما في تعليق الزينة في الشوارع أو المنازل، والمدارس، والتي تحمل عبارات التهنئة.
ومن جانبه، يرى الاستشاري التربوي الدكتور عايش النوايسة، أن كل ما ورد عن الرسول عليه السلام، يصنف إلى أربعة مجالات وهي "القول والفعل والتقرير والصفة"، والتي تتعلق بخُلق النبي عليه السلام، وبناء على ذلك يجب أن تتضمن البيئة التربوية بعدا أساسيا يتعلق بسنة النبي، وأن تقدم بالصورة المثلى التي تعكس خلقه.
وعلى سبيل المثال، يعتقد النوايسة أن مرحلة رياض الأطفال يفضل أن تستخدم فيها القصة لعكس خلق الرسول وتعامله مع من يخالفه، كقصة الرسول مع اليهودي الذي كان يرمي القاذورات أمام بيت الرسول، ولما خرج الرسول ولم يجد ما يضعه اليهودي أمام بيته كل يوم ذهب إليه يسأله عن حاله فوجده مريضا وغيرها من القصص والوقائع التي تعكس خلقه عليه السلام.
في حين يرى النوايسة كذلك أن جوانب التعليم المدرسي لا بد من العمل فيها على توظيف السنة النبوية في العلاقات والتعامل، كتوظيفها في الإرشاد الطلابي وتعديل سلوك الطلبة؛ إذ إن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم حافلة في جوانب تعديل السلوك وتوجيه الأفراد إلى الصلاح والهداية والعمل، لتحقيق الأهداف الفردية والاجتماعية، ولا بد على مستوى المعلمين من تمثل خلق المعلم الأول، محمد عليه السلام، في تعاملهم مع طلبتهم، وبما يعكس الصورة الحقيقية للمعلم وهي القدوة.
ويضيف "إذ إن النمذجة تعد من الاستراتيجيات المهمة في إكساب السلوك الإيجابي، وهذا ينعكس إيجابياً على العلاقة ما بين المعلم وطلبته، وعلاقتهم مع بعضهم بعضا ومع الممارسات الحيايتة الخاصة بهم في المجتمع، والذي لا بد أن ينعكس السلوك الإيجابي للأفراد على أطر الحياة فيه، وعليه تنخفض الجريمة وتشيع القيم الإيجابية".
وعلى اعتبار أن أغلب المناسبات الدينية أصبحت تأخذ طابعاً اجتماعياً، تنعكس صوره على الأفراد بشكل عام، تدخل الأسرة ضمن تلك البوتقة الواحدة التي تنعكس تربيتها ومخرجاتها إلى المجتمع الكبير، ويبدأ الأهل بالبحث عن النماذج الإيجابية في المجتمع لأن تكون قدوة للأبناء، وفي المجتمع الإسلامي يتخذ الأهل الرسول عليه السلام، النموذج الأقوى لأن يهتدي به الأبناء، ولو بأبسط الأخلاق في التعامل مع الآخرين.
وفي هذا الجانب، يؤكد الاستشاري الأسري والاجتماعي مفيد سرحان، أن ذكرى ميلاد الرسول عليه السلام فرصة لاستذكار صفاته وأخلاقه، وهو الذي وصفه الله تعالى بقوله (وإنك لعلى خلق عظيم)، وقوله تعالى (وما أرسلناك الا للناس كافة)، ومن هنا اتصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالتسامح والعفو والصفح عمن أساء اليه، ليكون قدوة حسنة لنا.
ويردف سرحان بالقول "إنه ولأهمية الأخلاق وأثرها، فقد قال عليه السلام "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وهذا يعني أن الأخلاق الحميدة هي مدخل لكسب القلوب والتأثير في الآخرين"، ويضيف "ما أحوجنا هذه الأيام ونحن نحتفل بذكرى مولده أن نتصف بهذه الصفات لنعكس الصورة المشرقة عن ديننا الحنيف، خصوصا مع محاولات التشويه والإساءة وممارسات بعض من ينتسبون للإسلام، ومن الأهمية بمكان غرس هذه الصفات في الأبناء وجيل الشباب، وأفضل وسيلة لذلك هي القدوة الحسنة من الآباء والأمهات والمربين".
ومن جانبه، يؤكد اختصاصي الشريعة الإسلامية الدكتور منذر زيتون، أن ميلاد النبي عليه السلام، ليس ميلاد شخص، وإنما ميلاد أمة، أخرجها من حالة الجهل والظلم والرجعية إلى نور الدين والعلم والأخلاق والتقدم، فظهرت وقويت وانتصرت، وصار لها مقامها بين الأمم.
وعليه، يعتقد زيتون أن هذه الذكرى يجب أن تحمل في طياتها صورة لميلاد الحق وانتصاره على الباطل، ميلاد الخير وانتصاره على الشر، ميلاد النور وانتصاره على الظلام، ميلاد القوة وانتصارها على الضعف، ميلاد العزة وانتصارها على الذل، ميلاد الكرامة وانتصارها على المهانة، ميلاد الهمة وانتصارها على الخور والكسل، ميلاد الأخلاق الرفيعة والقيم العالية، ميلاد معرفة الله تعالى والتوجه إليه بالعبادة، لذلك، فإن الأمة كلها تدين لله تعالى بالشكر والحمد على ميلاد نبيها الكريم.
وبميلاد النبي الكريم، نحتفل ونحتفي به، ولكن ليس فقط بالغناء وتوزيع الحلوى، وإنما أيضاً باستذكار فضله علينا، وواجبنا نحوه، وخصوصا واجب محبته واتباعه والدفاع عنه والتخلق بأخلاقه واتباع منهجه، كما يصف زيتون، وأن يبقى ذكرى دورية نرجع فيها إلى أنفسنا ونرى قربنا وبعدنا عنه صلى الله عليه وسلم، بالقول والعمل، فهو القدوة التي أراد الله تعالى أن نتمثل بها ونتبعها، ويظهر ذلك في قوله تعالى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة".
ويختم زيتون بقوله، إن الأمة اليوم بأمس الحاجة لأن تقوم سلوكها مع سلوك نبيها، خصوصاً في ظل ضعفها وبعدها عن جوهر دينها وتكالب الآخرين عليها، لعلها برجوعها إلى نبع دينها الصافي تعود إلى سالف مجدها وعزها وترفع عنها أغطية الضعف والوهن الذي أصابها.

التعليق