ماذا الآن بالنسبة لأميركا؟

تم نشره في الثلاثاء 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • مبنى الكونغرس الأميركي في واشنطن العاصمة – (أرشيفية)

إيان بورما*

من الجيد أن نجد أعداداً أكبر من الممثلين في السلطة التشريعية في الولايات المتحدة من النساء، ومن غير ذوي البشرة البيضاء، وغير المسيحيين. ويوفر هذا تبايناً منشطاً وضرورياً للحزب الجمهوري، الذي أعاد تشكيل نفسه على هيئة زعيمه: غاضب، أبيض البشرة، وعنصري صريح عادة. لكن اللجوء إلى محاربة سياسات الهوية التي يتبناها ترامب بالاستعانة بشكل عدواني بالقدر نفسه من سياسات الهوية من شأنه أن يجعل القَبَلية السياسية أشد سوءاً، وقد يزيد من صعوبة فوز الديمقراطيين في الانتخابات الوطنية.
*   *   *
نيويورك، الولايات المتحدة- لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأميركية الأخيرة التي أقيمت في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) كارثية على الأقل. فلو لم ينجح الديمقراطيون في تأمين الأغلبية في مجلس النواب الأميركي، فربما كان الرئيس دونالد ترامب ليتصور أنه أصبح قادراً على فعل كل شيء، مع كل ما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة. لكن الجمهوريين ما يزالون يسيطرون على مجلس الشيوخ، وهذا يعني أن السلطة القضائية، بما في ذلك المحكمة العليا، سوف تزداد ميلاً نحو اليمين. كما يعني انتخاب حكام جمهوريين في ولايات كبرى مثل أوهايو وفلوريدا، أنه أصبح من الممكن التلاعب بالدوائر الانتخابية لتعزيز فرص إعادة انتخاب ترامب في انتخابات العام 2020.
كان أحد أكثر الكليشيهات السياسية شيوعاً قبل انتخابات التجديد النصفي الأخيرة "معركة من أجل روح أميركا". ومن السهل أن نتخيل أن الجمهوريين والديمقراطيين يمثلون نسختين مختلفتين من أميركا: الأولى بيضاء بأغلبية ساحقة، ويتسم المنتمون إليها بالتعليم المتواضع، وتجاوز مرحلة الشباب، والقوة في المناطق الريفية، وهم من الذكور غالباً، ويفتخرون بأنهم يمتلكون أسلحة نارية؛ والثانية التي يتميز المنتمون إليها بأنهم أفضل تعليماً، وأكثر شباباً وحضرية وتنوعاً عِرقياً، وإناثها أكثر عدداً، وهم حريصون على ضرورة السيطرة على الأسلحة النارية وضبطها. وربما تكون هذه الصورة تبسيطية، لكنها تعبر عن حقيقة واقعة يمكن تمييزها بوضوح.
على الرغم من أن كلاً من الجانبين يعتقد أنه أميركي وطني، فإن فكرة كل من الجانبين عن الوطنية تختلف عن فكرة الآخر تمام الاختلاف. ويسوق الكاتب جيمس بولدوين الحجة لصالح الوطنية "التقدمية": "لقد أحب أميركا أكثر من أي دولة أخرى في العالَم، ولهذا السبب أصر على الحق في انتقاد سرمديتها". ومن الواضح أن الوطنيين من أنصار ترامب ربما يعتبرون بولديون هذا خائناً.
الإغراء الكبير من منظور الديمقراطيين، وخاصة الآن بعد أن فازوا بالسيطرة على مجلس النواب، يتلخص في تحقيق القدر الأقصى من الاستفادة من ما يعتبرونه أكبر مواطن قوتهم: التنوع العِرقي والجندري، والكراهية المشتركة لترامب. وربما يكون هذا موقفاً منطقياً. ذلك أن ترامب مروع حقاً، وبوسع الديمقراطيين أن يزعموا بشكل مشروع أن الرجال الريفيين المسنين من ذوي البشرة البيضاء هم أقل تمثيلاً لأميركا اليوم من الشباب الحضريين من غير ذوي البشرة البيضاء والنساء الممكَّنات حديثاً.
ومع ذلك، من الخطأ أن يكون تركيز الأجندة الديمقراطية منصباً على ترامب والتنوع. وسوف تنشأ الضغوط، وخاصة من قِبَل الديمقراطيين الأكثر شباباً، المشتعلين حماساً بفضل نجاحهم، لعزل الرئيس. ولكن، ما دام مجلس الشيوخ، الذي لا يمكن عزل الرئيس من دون إدانته له وموافقته، في أيدي الجمهوريين، فإن توجيه الاتهام إليه من مجلس النواب سيكون بلا معنى عملياً. وحتى في حالة توجيه الاتهام إليه رسمياً، فإنه سيظل رئيساً للبلاد، وسوف يميل الجمهوريون إلى الدفاع عنه بقدر أكبر من الشراسة.
إنه لأمر طيب بكل تأكيد أن نجد أعداداً أكبر من الممثلين في السلطة التشريعية من النساء، ومن غير ذوي البشرة البيضاء، وغير المسيحيين. ويوفر هذا تبايناً منشطاً وضرورياً للحزب الجمهوري، الذي أعاد تشكيل نفسه على هيئة زعيمه: غاضب، أبيض البشرة، وعنصري صريح عادة. لكن اللجوء إلى محاربة سياسات الهوية التي يتبناها ترامب بالاستعانة بشكل عدواني بالقدر نفسه من سياسات الهوية من شأنه أن يجعل القَبَلية السياسية أشد سوءاً، وقد يزيد من صعوبة فوز الديمقراطيين في الانتخابات الوطنية.
هناك أيضاً خطر دائم يتمثل في انقسام الديمقراطيين، مع تأليب الراديكاليين الأصغر سناً ضد المؤسسة البيضاء في الأغلب. لكن الجمهوريين، الذين يبدو أنهم توحدوا تماماً خلف زعيمهم، لديهم أيضاً مشكلة. والواقع أن الجمهوريين الليبراليين اجتماعياً من ذوي التعليم العالي الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للحزب دُفِعوا حتى الآن إلى الهوامش حتى أنهم أصبحوا غير مرئيين تقريباً. وربما كان جون ماكين آخر المقاتلين من هذا القبيل.
يجب على الديمقراطيين أن يستفيدوا من ذلك. والسبيل إلى تحقيق هذه الاستفادة يمر عبر تقليص التركيز على الهوية الجنسية أو العِرقية أو النوعية، والتأكيد بشكل أكبر على الاقتصاد. وربما تبدو هذه استراتيجية ساذجة خلال طفرة اقتصادية؛ حيث يستطيع الجمهوريون أن يتباهوا بمعدل بطالة منخفض بدرجة غير مسبوقة. ولكن حتى العديد من المحافظين التقليديين الذين يرفعون شعار "دعه يعمل، دعه يمر" لا بد أن يدركوا أن الفجوة هائلة الاتساع بين الأغنياء والفقراء ليست مفيدة للأعمال. وقد أدرك هنري فورد، الذي لم يكن ينبوعاً للحكمة في التعامل مع كثير من الأمور، ضرورة وضع القدر الكافي من المال في جيوب الناس إذا كان راغباً في بيع سياراته.
هذه أيضا قضية قريبة من روح أميركا المتصارعة. ويرى بعض المراقبين أن الهوية الأميركية تقوم على المشروع الرأسمالي الذي تجري في شرايينه دماء حمراء، والذي لا تعوقه ضوابط تنظيمية حكومية مفرطة في سعيه وراء السعادة المادية. لكن أميركا، في نظر آخرين، تستند إلى مبدأ العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية -الذي ينبغي له أن يشمل اليوم الالتزام بالتصدي لتغير المناخ (القضية التي لم تُناقَش إلا بالكاد في انتخابات التجديد النصفي)، خاصة وأن الانحباس الحراري الكوكبي سيضر بالفقراء أكثر من إضراره بالأغنياء.
الواقع أن فاحشي الثراء عايشوا أوقات ازدهار، مثل العصر الذهبي في أواخر القرن التاسع عشر، عندما كانت 2 % من الأسر الأميركية تمتلك أكثر من ثلث ثروات البلاد، أو وقتنا الحاضر؛ حيث تمتلك 1 % من الأسر ما يقرب من نصف ثروة البلاد. ولم يخل الأمر من فترات إصلاح، عندما حاولت الحكومات تصحيح التوازن. والمثال الأكثر شهرة على ذلك هو الصفقة الجديدة التي عرضها الرئيس الأميركي فرانكلين د. روزفلت في ثلاثينيات القرن العشرين.
من الواضح أن الوقت حان لصفقة جديدة ثانية. وبدلاً من الوعد بالمزيد من الإعفاءات الضريبية للمواطنين الأكثر ثراء، تستطيع سياسة مالية أكثر إنصافاً أن تغطي تكاليف الجسور الضرورية وغير ذلك من المنافع والخدمات العامة التي من شأنها أن تعمل على تحسين حياة الجميع. وتُعَد الرعاية الصحية الميسرة لكل المواطنين دليلاً على مجتمع متحضر. وما تزال الولايات المتحدة بعيدة إلى حد كبير عن تحقيق هذا الهدف. ويصدق نفس الشيء على التعليم العام عالي الجودة. ومن المذهل أن أعداداً هائلة من المواطنين الذين من الممكن أن يستفيدوا من مثل هذه السياسات "الاشتراكية" مقتنعون -على الرغم من هذا- بضرورة التصويت ضدها لأنها كما يفترض "غير أميركية".
من شأن التركيز على مبدأ المساواة أن يجتذب الليبراليين بطبيعة الحال، ولكن لا ينبغي له ينفر الناخبين المعتدلين أيضاً، لأن المزيد من المساواة مفيد للاقتصاد. بل وقد يقنع حتى بعض أنصار ترامب الغاضبين الفقراء بالاعتراف بأن شعبويته الزائفة لا تبالي بمساعدة المتخلفين عن الركب في مدن حزام الصدأ والمناطق الريفية النائية. بل تدور حول إعطاء المزيد من المال لقِلة قليلة من الناس. ولا بد أن تركز الرسالة الأساسية للديمقراطيين في العامين المقبلين على إظهار حقيقة أن الجميع يخسرون حتماً في ظِل حكم القِلة الثرية.

*مؤلف العديد من الكتب. منها "جريمة قتل في أمستردام: موت ثيو فان كوخ وحدود التسامح"، و"السنة صفر: تأريخ للعام 1945"، وآخرها "رومانس في طوكيو".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق