غزة: من نظرة للمدى القصير إلى بعيدة المدى

تم نشره في الأربعاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • شاب فلسطيني خلال مواجهات مع الاحتلال يوم الجمعة الماضي.-(ا ف ب)

inss

كيم ليفي واودي ديكل  20/11/2018

نشب التصعيد الأخير بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة (11- 12 تشرين الثاني) في ظل التقدم في المساعي المتواصلة لوضع تسوية تهدئة بين الطرفين. وشهد سلوك إسرائيل وحماس في هذا الحدث على الرغبة المتبادلة للسعي إلى تفاهمات (وكلاهما يرفضان اصطلاح التسوية لانه يفسر كاعتراف متبادل)، والتي تتضمن وقفا للنار وتسهيلات ذات مغزى في الاغلاق على قطاع غزة. الانطباع هو أن إسرائيل وحماس على حد سواء غير معنيتين بدفع الدفع الذي تجبيه الحرب والتي في نهايتها عودة إلى نقطة البدء.
وإلى ذلك، تتشكل قواعد اللعب بشكل دينامي. الاشتباك بين رجال حماس وبين القوة العسكرية الإسرائيلية التي عملت في خانيونس استغل جيدا قائد حماس في القطاع يحيى السنوار كي يثبت لمنتقديه بانه لم يترك طريق المقاومة المسلحة وأن يوضح في نفس الوقت لإسرائيل أن حماس لن تتجلد على نشاط عسكري إسرائيلي في أراضي القطاع برعاية تفاهمات وقف النار.
وعكس قرار حماس إطلاق صلية كثيفة من الصواريخ على إسرائيل ليومين، بعد الاشتباك تقدير حماس بان هناك حاجة إلى ضربة قوية واليمة لإسرائيل، ولكن محدودة في مدى الصواريخ مما يسمح بالعودة إلى تفاهمات التهدئة. أما الرد الإسرائيلي بدوره فكان قاسيا ولكنه محسوبا مع ذلك. والدليل على ذلك كان عدد القتلى المتدني نسبيا في قطاع غزة في اعقاب اعمال القصف.
منذ عدة أشهر يحاول المصريون، إلى جانب مبعوث الأمم المتحدة، نيكولاي ملادينوف العمل على تسوية في قطاع غزة من خلال الجسر بين ثلاث جهات: إسرائيل، حماس والسلطة الفلسطينية. فالتسوية بين إسرائيل وحماس ستمس بمكانة السلطة كممثل وحيد للفلسطينيين، وتخلد حكم حماس في قطاع غزة؛ من جهة اخرى، فإن تسوية مصالحة فلسطينية داخلية بين السلطة وحماس ستمس بقدرة إسرائيل على الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية.
وبالتالي، ورغم رفض إسرائيل وحماس الاعتراف المتبادل، تجري مفاوضات بين الطرفين، وأن لم تكن مباشرة، دون اشراك السلطة. منذ بداية المظاهرات الجماهيرية على الجدار الحدودي بين قطاع غزة وإسرائيل ("مسيرات العودة") في 30 آذار، حاولت حماس الوصول إلى تسوية غايتها "الهدوء مقابل رفع الحصار" عن القطاع وبداية عملية اعمار ذات مغزى المنطقة.
اما إسرائيل من جهتها فوضعت معادلة واضحة تتمثل بـ "الهدوء مقابل الهدوء"، اشترطت التقدم لاعادة جثماني الجنديين والمفقودين لدى حماس، ولم تكن مستعدة لمنح حماس انجازات تعززها في الساحة الداخلية وتمنحها شرعية للعنف الذي مارسته على حدودها. وبالتوازي، رفضت السلطة الفلسطينية المساعدة في تقدم التسوية التي تمنح حماس الشرعية وتعزز حكمها في القطاع، بل واشترطت كل تقدم نحو التسوية في المصالحة الفلسطينية الداخلية وعودة كل الصلاحيات لإدارة القطاع إلى حكمها، بما في ذلك الصلاحيات الأمنية.
ان تسوية التفاهمات التي تسعى اليها مصر تتشكل من ثلاث مراحل أساسية: الأولى، وقف نار طويل مقابل تسهيلات في الاغلاق؛ الثانية، اعمار القطاع؛ الثالثة، عودة حكم السلطة الفلسطينية بشكل تدريجي إلى القطاع. وجاء حدث التصعيد الاخير في ظل تحقيق المرحلة الاولى: حماس قلت العنف على الجدار؛ إسرائيل وسعت مجال الصيد، سمحت بادخال الوقود بتمويل قطري وسهلت عبور البضائع إلى القطاع؛ قطر، باقرار من إسرائيل ادخلت إلى القطاع 15 مليون دولار لدفع رواتب موظفي حماس؛ ومصر ابقت على معبر رفح مفتوحا أمام الأشخاص والبضائع.
اما تنفيذ صفقة اعادة جثماني الجنديين والمفقودين فسيكون الظن الشرط للتقدم من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، التي ستتضمن مشاريع بنى تحتية بهدف إعمار غزة وخلق عشرات آلاف أماكن العمل، بتمويل الأسرة الدولية، ويحتمل أيضا اقامة معبر بحري بين غزة والقطاع.
لا يمكن أن نعرف بعد كم بعيدا ستصل هذه التفاهمات، وهل ستنضج إلى تسوية تطبق بكل مراحلها. ومع ذلك، يمكن التقدير بان هذه مسيرة حساسة وفي حالة عدم لمس التقدم على مدى الزمن وعدم نشوء تغيير هام في الواقع الغزي، فإن الساحة ستتدهور، آجلا ام عاجلا، إلى مواجهة عنيفة بين حماس وإسرائيل.
فقيادة حماس، التي وعدت سكان القطاع بما لا يقل عن رفع الحصار، لن تصمد على مدى الزمن أمام الضغوط الشديدة التي تمارس عليها ومواجهة الانتقاد ضدها على الثمن الدموي الذي دفعه مئات الفلسطينيين في المظاهرات على الجدار في الأشهر الأخيرة. وبالمقابل، في الساحة السياسية في إسرائيل تنطلق اصوات ترفض كل فكرة التفاهمات التي يمكن ان تفسر كتسوية مع حماس، وتدعو إلى حملة عسكرية واسعة النطاق في القطاع. ذروة الانتقاد في استقالة وزير الأمن ليبرمان من منصبه، على خلفية ما أسماه "استسلام للإرهاب".
حسنت حماس في السنة الأخيرة وضعها الاستراتيجي حيال إسرائيل، السلطة الفلسطينية والاسرة الدولية. وذلك بفضل السياسة التي يتصدرها يحيى السنوار منذ انتخابه في منصب رئيس القيادة السياسية في القطاع. فقد عرض السنوار خطة سياسية وغير، حاليا، طبيعة الكفاح، من التشديد على الجانب القومي- الديني إلى التركيز على المستوى المدني الإنساني.
ومن اجل الحفاظ على صورتها كقائدة المقاومة الفلسطينية، تحرص حماس على الايضاح بان الانجازات ليست نتيجة الحوار مع إسرائيل، بل نتيجة الاستعداد لممارسة القوة، ضمن أمور اخرى استنادا إلى التفاهمات التي تحققت مع مصر، قطر والاسرة الدولية والنابعة من ضغط المظاهرات على الجدار.
السلطة الفلسطينية تجد نفسها في ورطة وتقف في هذه المرحلة وحدها في المعركة التي تخوضها لاسقاط حكم حماس في القطاع. ويسعى رئيس السلطة محمود عباس لاستغلال ضائقة حماس وعدم قدرتها على تحقيق تحسين في وضع سكان غزة كي يضغط على حماس للتوقيع على اتفاق مصالحة كشرط للتقدم في إعمار القطاع. في إطار اتفاق المصالحة طلبت السلطة أن تنقل حماس اليها السيطرة المدنية والأمنية في القطاع وتخضع سلاحها لها.
رغم أن لإسرائيل ولمصر مصلحة أساسية مشتركة في اسقاط حكم حماس في غزة وعودة حكم السلطة الفلسطينية إلى القطاع فقد قررتا تقديس التهدئة في المدى القصير وهما غير مستعدتين لاحتمال المخاطر التي ينطوي عليها التصعيد والتدهور إلى معركة عنيفة كنتيجة لاستمرار الضغط على حماس.
يتبين انه بخلاف الماضي لا ترى مصر اليوم في المصالحة في الساحة الفلسطينية شرطا ضروريا لتحسين الوضع في قطاع غزة ومستعدة لان تتوصل إلى تفاهمات مع حماس حتى دون مشاركة السلطة. ومع ذلك، تفهم مصر بانه في مرحلة تنفيذ المشاريع المدنية في القطاع ستضطر إلى السلطة الفلسطينية، بكونها القناة لنقل المساعدات والتبرعات من الأسرة الدولية، ولهذا فهي تعكف بالتوازي على تحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية.
اما إسرائيل، فباستعدادها الوصول إلى تفاهمات مع حماس في ظل تجاوز السلطة الفلسطينية، فتشهد عمليا على أنها لا ترى في السلطة شريكا في اي تسوية. كما يشهد هذا الاستعداد على ان إسرائيل تسعى إلى الهدوء في ساحة غزة بكل ثمن تقريبا، بدعوى ان غزة هي ساحة ثانوية ويجب تركيز القوى والجهود على الساحة الشمالية، سوريا ولبنان، بصفتها ساحة أساسية.
بينما في الخلفية تقارير عن النشر القريب للخطة السياسية الأميركية، والتي اعلن الفلسطينيون منذ الان عن نيتهم رفضها، وكذا شائعات عن ان هذه ستركز بداية على حل مشكلة غزة. تدير السلطة الفلسطينية الكفاح على قوتها ومكانتها في عدة ساحات بالتوازي – حيال إسرائيل، حيال حماس، حيال مصر والعالم العربي وحيال الاسرة الدولية.
قطاع غزة هو اقليم يعيش أزمة إنسانية وتحكمه منظمة معادية لإسرائيل، دون حل متوفر لهذا الواقع. بغياب حل، فإن السياسة المطبقة عمليا هي منع التعاظم العسكري لحماس وممارسة الضغط من اجل خلق ردع يمنعها من استخدام القوة، إلى جانب تحديدها كعنوان مسؤول عما يجري في القطاع في ظل الاعتراف بحكم الأمر الواقع بحكمها في المنطقة. تتمسك إسرائيل بسياسة الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، والرامية إلى تقليص التأثير السلبي للقطاع على الضفة، ضمن امور اخرى انطلاقا من التقدير بان ليس في قدرة السلطة الفلسطينية على استئناف تواجدها وحكمها في القطاع. يخدم هذا النهج الموقف الإسرائيلي الحالي في أنه لا يوجد شريك في الجانب الفلسطيني، لا يمكن التوصل معه إلى اتفاق سياسي شامل، وبالأساس إلى تنفيذه.
تعلن إسرائيل على الملأ بان لا مصلحة لها في حرب في غزة، وانها معنية بتهدئة طويلة المدى. في تصريحات القاها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في اثناء زيارته إلى باريس، قبل التصعيد الاخير صرح بانه "لا يخاف الحرب ولكن يريد منعها حين لا تكون ضرورية"، وقدر أن حربا اخرى ستعيد إسرائيل إلى الوضع اياه الذي كان فيه بعد حملة الجرف الصامد. وبالمقابل، يدعي مسؤولون كبار في الساحة السياسية والكثيرون في الجمهور الإسرائيلي بانه يجب الخروج إلى عملية عسكرية واسعة مع حماس وتعزيز الردع الإسرائيلي. عمليا، إسرائيل وحماس في شرك مشابه، من جهة هما غير معنيتين بجولة قتالية تجبي منهما اثمانا وتعيدهما إلى نقطة البدء، ولكنهما لا تريدان أيضا السماح للطرف الاخر بتحقيق انجازات واتخاذ صورة من يدير مفاوضات مع العدو.
على إسرائيل ان تعطي الاولوية لمصالحها بعيدة المدى، على حساب المصالح قصيرة المدى في الساحة الفلسطينية. من الافضل لإسرائيل أن يتم اعمار القطاع من خلال السلطة كي تجني هي وليس حماس ثمار الاعمار في نظر الجمهور الفلسطيني. وعليه، فإن عليها أن تبلور غاية مشتركة مع السلطة الفلسطينية، مصر وجهات الاختصاص في الساحة الدولية، تشترط المساعدة لغزة عبر قناة السلطة الفلسطينية. والغاية المشتركة هي تخفيف الضائقة الانسانية في القطاع وتنمية البنى التحتية بشرط اعادة حكم السلطة إلى القطاع.
وسيكون العمل المشترك رافعة ضغط هامة على حماس ويقيد قدرتها على المناورة. ما تزال الأسرة الدولية تبدي استعدادا للمساعدة في مشاريع في غزة، هدفها تحسين البنى التحتية وخلق أماكن عمل ورفاه اقتصادي لسكانها. لإسرائيل مصلحة بمشاركتها بل وبقيودها وذلك لان مشاركة قوة مهمة دولة في القطاع ستشكل عامل لجم لحماس وتعظم ثمن الخسارة لها اذا ما اختارت مرة اخرى المقاومة العنيفة. على إسرائيل أن تساعد مصر في مساعي المصالحة الفلسطينية الداخلية وذلك بهدف تعزيز سيطرة السلطة في غزة كجهة مسؤولة وتحديدها كعنوان لتقديم التسوية السياسية.

التعليق