تناغم الديمقراطيات في منطقة المحيط الهادئ-الهندي

تم نشره في الخميس 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • لقاء بين رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي ونظيره الهندي ناريندرا مودي -(أرشيفية)

براهما تشيلاني*

طوكيو- خلال جولته التي استمرت أسبوعا كاملا في آسيا، روج نائب الرئيس الأميركي مايك بينس لرؤية الحفاظ على منطقة المحيط الهادي والمحيط الهندي، كمنطقة "حرة ومفتوحة"، والتي تتميز بتدفقات تجارية مفتوحة، وحرية الملاحة، واحترام سيادة القانون، والسيادة الوطنية والحدود القائمة. والسؤال الآن هو: هل يمكن تحقيق هذه الرؤية في منطقة المحيط الهادئ-الهندي الخالية من "الاستبداد والعدوان"؟
تبدو الدولة الوحيدة المستعدة للمساهمة في تحقيق هذه الرؤية هي اليابان. بل إن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي هو مؤسس فكرة "منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة" التي تتناسب مع استراتيجية الرئيس دونالد ترامب الجديدة، والتي خلفت "محور" باراك أوباما الذي لم يدم طويلاً في آسيا.
بعد تحقيق نجاح باهر على الصعيد الدولي، تعمل اليابان على الاستجابة لصعود الصين السريع من خلال تعزيز موقفها ونفوذها الجيوسياسي في المنطقة، والاستفادة من امتيازاتها الضخمة كثالث أكبر اقتصاد في العالم، والذي يمتلك مهارات كبيرة في التكنولوجيا المتقدمة، وجيشا تم تحريره مؤخرا من بعض القيود القانونية والدستورية.
وقد بدأ الأسطول الياباني مسبقاً باتخاذ تدابير خارج البلاد من أجل تحديد موقعه في المنطقة. وعلى سبيل المثال، من أجل تحدي ادعاءات الصين في بحر الصين الجنوبي، قامت غواصة يابانية وثلاث مدمرات بتدريبات بَحرية هناك في أيلول (سبتمبر). وقال وزير الدفاع الأميركي السابق آش كارتر مؤخراً "إن استعداد اليابان للمشاركة في الأمن الآسيوي يجعلها فاعلا مهما في المنطقة".
لكن الحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة ليست مهمة بلد واحد بمفرده. إن التوازن المستقر للقوى، اللازم لتحقيق رؤية بينس سيحتاج إلى مشاركة جميع الديمقراطيات الرئيسية في المنطقة -من اليابان والهند إلى إندونيسيا وأستراليا.
والخبر السار هو إدراك آبي لأهمية التعاون بين القوى الديمقراطية في آسيا. وعلى سبيل المثال، قال آبي في مناقشة حول التحالف الطبيعي بين أغنى ديمقراطية في المنطقة وأكبرها: "إن اليابان القوية تفيد الهند، كما أن الهند القوية تفيد اليابان".
مع أخذ ذلك بعين الاعتبار، عقد آبي ونظيره الهندي ناريندرا مودي، مؤخرا قمة تفتح الطريق لاتفاقية لوجستية عسكرية تمنح القوات المسلحة لكل بلد إمكانية الوصول إلى قواعد الطرف الآخر. وإلى جانب إقامة حوار مشترك بين وزراء الخارجية والدفاع في البلدين، وافق آبي ومودي على تعميق التعاون الأمني البحري والمشاركة في مشاريع في دول العالم الثالث، بما في ذلك ميانمار وبنغلاديش وسريلانكا، لتعزيز الاتصال الاستراتيجي في المحيطين الهندي والهادئ.
وفي هذه القمة، وضعت اليابان والهند شعاراً جديداً لعلاقاتهما الثنائية: "الأمن المشترك والازدهار المشترك والمصير المشترك". وكانت الصداقة التي أظهرها آبي ومودي خلال لقائهما الذي حدث في منزل آبي الخاص بالقرب من جبل فوجي، تتناقض بشكل صارخ مع العبارات القاسية والمصافحة الباردة التي بدت عند لقاء آبي  بالرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين قبل يومين.
يعتمد التعاون بين الهند واليابان، من بين أمور أخرى، على التدريبات البحرية الثلاثية بين الهند واليابان والولايات المتحدة الأميركية "مالابار". وأصبحت مالابار عنصراً هاماً في الجهود المبذولة للدفاع عن حرية الملاحة والتحليق في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي يمر من خلالها ثلثا التجارة العالمية. إذا وقعت الهند اتفاقية لوجستية عسكرية مع اليابان، كما فعلت مع الولايات المتحدة، فإن البحرية الهندية ستكون أكثر قدرة على توسيع نطاقها إلى غرب المحيط الهادي، بينما ستتمكن اليابان من إبراز قوتها البحرية في المحيط الهندي.
لحسن الحظ، أصبحت العلاقات بين الديمقراطيات البحرية الرئيسية الأربعة في المحيط الهادي -أستراليا، والهند، واليابان، والولايات المتحدة- أقوى من أي وقت مضى، حيث تتميز بروابط عالية المستوى وتبادل المعلومات الاستخباراتية. ويجب على هذه الدول إضفاء الطابع المؤسسي على مبادرتها "الرباعية"، حيث يشكل ثنائي الهند واليابان أساس الجهود الرامية إلى تحقيق تعاون أوسع في المنطقة.
لكن هذا التعاون سيواجه عقبات ضخمة. بداية، ما تزال العلاقة بين اليابان وكوريا الجنوبية -أقرب حليف آخر لأميركا في شرق آسيا- رهينة التاريخ.
كانت قضية "نساء المتعة" -النساء الكوريات اللواتي أُجبرن على تقديم الخدمات الجنسية للقوات اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية- مثيرة للجدل منذ فترة طويلة. ودعا اتفاق العام 2015، الذي صادق عليه آبي والرئيس الكوري الجنوبي السابق بارك كون هيه، إلى حل هذه القضية "بشكل حاسم": حيث قدمت اليابان اعتذارها ودفعت مليار ين (8.8 مليون دولار) لصندوق تم إنشاؤه لمساعدة الضحايا.
ولكن في وقت سابق من هذا العام، رفض مون جاي إن (خليفة بارك) هذا الاتفاق، مدعياً أنه لا يخدم الضحايا أو الشعب على نحو كاف. وفي الآونة الأخيرة، أمرت المحكمة العليا لكوريا الجنوبية إحدى أكبر الشركات لصناعة الفولاذ في اليابان بتعويض "ضحايا العمل القسري" خلال الحكم الاستعماري الياباني في كوريا، على الرغم من أنه كان من المفترض أن يضع اتفاق 1965 الثنائي حداً "نهائياً" لكل هذه المطالبات.
تصب العلاقة المضطربة بين اليابان وكوريا الجنوبية في مصلحة الصين. وفي حين أنه من الواضح أن كوريا الجنوبية لا ينبغي أن تتجاهل تاريخها، فإن عليها إيجاد وسيلة لتخطي ماضيها الاستعماري وتشكيل علاقات جديدة متبادلة المنفعة مع اليابان، مثلما فعلت الهند وتايوان والفلبين وإندونيسيا مع المستعمرين السابقين.
وتتمثل العوائق المحتملة الأخرى أمام إقامة اتفاقية حول ديمقراطية منطقة المحيطين الهندي والهادئ في عدم الاستقرار الداخلي في البلدان الرئيسية. ففي سريلانكا التي تحتل موقعاً إستراتيجياً، على سبيل المثال، أطاح الرئيس ماثيريبالا سيريسينا برئيس الوزراء رانيل ويكريمسينغه (على الرغم من الأغلبية البرلمانية الأخيرة) ودعا إلى إجراء انتخابات مبكرة، على الرغم من أن الدستور لا يمنحه الحق في القيام بذلك. ويمكن أن تكون لإضعاف ديمقراطية البلد تداعيات إستراتيجية بالنسبة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ الموحدة سياسياً والمنقسمة اقتصادياً.
ومع ذلك، فإن العلاقة الوطيدة بين اليابان والهند تهدف إلى منع ظهور آسيا التي تتمحور حول الصين. وإذا استطاعت اليابان والهند -وهما الدولتان الأكثر نفوذاً في المنطقة بعد الصين- الاستفادة من علاقتهما من أجل إحراز تقدم نحو عقد اتفاق أوسع نطاقاً حول الديمقراطيات في المنطقة، فإن رؤية منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة يمكن أن تتحقق في النهاية.

*أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسات ومقره نيودلهي، وزميل في أكاديمية روبرت بوش في برلين، ومؤلف تسعة كتب، منها "الطاغوت الآسيوي"، و"المياه: ساحة المعركة الجديدة في آسيا"، و"المياه، والسلام، و الحرب: مواجهة أزمة المياه العالمية".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق