‘‘تجاهل‘‘ ‘‘العلاج النفسي‘‘.. أضرار وخيمة على الفرد والمجتمع

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2018. 12:00 صباحاً

ديما محبوبة

عمان- لم تجد مرام وسيلة للتخلص من القهر والظلم سوى اللجوء للانتحار، الذي بدأت أولى محاولات تنفيذه بشرب كميات كبيرة من حبوب علاج الضغط والمهدئات، الذي أدى لدخولها المستشفى وتلقيها العلاج اللازم.
أقدمت مرام على هذه المحاولة كردة فعل لسلوكيات والدها "المتجبرة". مرام ابنة الـ(18 عاما) سكان إحدى القرى، تعيش حالة نفسية صعبة جراء سوء معاملة والدها لوالدتها المتمثلة بالشتم والضرب والإهانة بشكل يومي، مما دفعها لتكرار محاولة الانتحار أكثر من مرة.
تقول مرام "كرهت الرجال والحياة بسبب أبي، فهو شكاك، متسلط، لا يعرف سوى الصراخ والضرب، ويشهد على أفعاله أهالي القرية المجاورون لنا".
حالة مرام تدل على أنها بحاجة إلى علاج نفسي مكثف، وهو الأمر غير المتوفر في الأردن بشكل واسع؛ إذ تكشف بيانات منظمة الصحة العالمية أن هناك 0.5 طبيب نفسي لكل 100.000 مواطن في الأردن للعام 2014، بعدما كانت النسبة 1.08 العام 2011، في عيادات حكومية غالبيتها تتمركز في العاصمة عمان، باتت تشكل عقبة بدون تقديم الرعاية النفسية المفترضة.
سمر (أم لطفلين)، إحدى السيدات اللواتي يعانين من ضغط نفسي أيضا، وتعمل بإحدى الشركات منذ الصباح وحتى المساء، لديها مسؤوليات عديدة، كحال أخريات، إلا أنها وجدت نفسها بعد 10 أعوام من الزواج والعمل وتربية الأطفال بلا صديقات، وليس لديها "متنفس" لتفريغ همومها، مما ولد ضغطا كبيرا على أعصابها، خصوصا في ظل غياب زوجها الدائم عن البيت من أجل تأمين لقمة العيش لعائلته.
مشكلة سمر كانت بردود فعل من حولها، فعندما كانت "تفضفض" أو تبوح بمشاكلها لأختها أو والدتها، لا يكترثن بما تقول، بل يصفنها بأنها "سوداوية"، خصوصا أن الله رزقها بعائلة جميلة وعمل جيد، لذا يجب عليها أن تكف عن التذمر والشكوى.
الضغط النفسي لدى سمر أودى بها إلى وصولها لغرفة الطوارئ في المستشفى القريب من عملها، بدون أن تشعر بذلك؛ حيث تبين إصابتها بتشنجات عصبية، وذلك إثر تلقيها إنذارا في عملها جراء سلوكها "السلبي" مع أحد مديريها.
وحول ذلك، تؤكد اختصاصية علم النفس د. لوريس خوري، أهمية التعامل مع الشخص الذي "يفضفض"، من خلال الاستماع له فقط، والدعم بدون إطلاق الحكم، ولا يتوجب إطلاق حكم أنه شخص سوداوي بدون إعطاء النصائح له.
وتعرف منظمة الصحة العالمية، أن الصحة النفسية ليست مجرد غياب الاضطرابات النفسية، بل هي حالة من العافية يستطيع فيها كل فرد إدراك إمكاناته الخاصة والتكيف مع حالات التوتر العادية والعمل بشكل منتج ومفيد، والإسهام في مجتمعه المحلي.
اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع، يؤكد أن الحالة النفسية للشخص عموما حالة "متعبة"، فتجد الفرد دائم الغضب في الشارع والسوق، وفي أماكن العمل وعادة ما ينقل هذا الغضب لمنزله.
ويشير إلى أن حالات العنف التي يعاني منها العديد داخل الأسرة سببها الغضب خارج المنزل، مما يؤثر على الصحة النفسية للفرد ذاته، وبالتالي على عائلته وتحديدا الأطفال، فتنشأ عائلة تعيسة، مما يؤثر على أفراد المجتمع ككل.
وتذكر المنظمة أن الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية في جميع أنحاء العالم يتعرضون لانتهاكات. ويعني وصم هؤلاء أنهم غالباً ما ينبذون من المجتمع، ولا يحصلون على ما يلزمهم من الرعاية أو الخدمات والدعم ليعيشوا حياة حافلة في المجتمع المحلي.
ويشير جريبيع إلى أن الكثيرين يعتقدون أن من يزور الطبيب النفسي أو جلسات تعديل السلوك ما هو إلا المريض النفسي أو المختل العقلي وهذا ليس صحيحا، فالطب النفسي اختصاص مهم، والمجتمعات المتحضرة والعائلات تجد لذاتها طبيبا نفسيا تثق به، ويكون هو المعين لها لتجاوز العديد من صعاب الحياة.
وتتفق خوري مع جريبيع، بأن الوصمة المجتمعية ظالمة لعلاج النفس، وهي التي تجعل الناس يبتعدون عن الطب النفسي، مشيرة إلى أن الدواء وحده غير كاف للعلاج، فالأصل تغيير الحياة وطريقة العيش والتفكير.
ويرمي مشروع منظمة الصحة العالمية، المعنون بـ"Quality Rights" إلى مساعدة البلدان على تحقيق بعض الأهداف لتوفير دور رعاية صحية ومراكز مجتمعية بدلا من المستشفيات التي عادة ما يظهر فيها انتهاكات حقوق إنسان وتعامل سيئ، ودعم المشاريع الحكومية في تقييم وتحسين النوعية وأوضاع حقوق الإنسان في إطار خدمات الصحة النفسية.
الخبير الاجتماعي الاقتصادي حسام عايش، يرى أن السبب الرئيسي في تراجع الصحة النفسية للكثيرين هو الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها الفرد الأردني، فعلى مدار اليوم الهم الشاغل للجميع بما في ذلك تراجع دخل المواطن وزيادة الالتزامات، ما أنهك المواطن وأثر عليه صحيا ونفسيا.
ويرى أن الخجل من الذهاب إلى الطبيب النفسي يأتي بالتوازي مع التكلفة الباهظة لهذا العلاج، والذي لا يقدر عليه المواطن ذو الدخل المحدود، في ظل عدم توفر العيادات النفسية الحكومية، فالعلاج غير مسموح إلا للطبقات الغنية، التي عادة تكون "سرية".
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن الإنفاق على الصحة النفسية في المملكة لم يتجاوز 2 % من مجمل النفقات الصحية العام 2011، وتراجع مؤخراً نحو 1 %.
وهنا يؤكد جريبيع "يجب أن تسعى البلدان إلى مواءمة سياساتها وقوانينها مع اتفاقيات حقوق الإنسان التي تكفل تعزيزها لاستقلالية الأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية وحريتهم وأهليتهم القانونية ومشاركتهم، وكذلك مجموعة الخدمات اللازمة، حتى يتمكن المجتمع المحلي من العيش بشكل مستقل".

التعليق