من ثقب الباب!

تم نشره في الجمعة 31 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً

د. سلمان فهد العودة*

إحدى محطات التلفزة كانت تعرض مظاهرة حاشدة، وفي المجلس خليط يشاهدون ويحللون. السياسي ينظر إلى الأحزاب والجماعات والدول التي يقول إنها وراء الحشد. والتاجر يفكر كيف يستثمر هذا التجمع لتسويق بضائعه؛ مشروبات وأطعمة وأعلام.. إلخ. والأمني يفكر في خطورة الانفلات، أو وجود عناصر مدسوسة. وشاب يحدق في وجوه الفتيات المشاركات! إنه "الإطار العقلي" واختلاف زاوية النظر؛ يقرأ أحدهم كتابا فيعجبه، ويقرأه آخر فيزهد فيه.
قد ترى وجها من الحقيقة، ويرى غيرك غيره. وقد ترى اليوم شيئا، وترى غداً شيئا آخر. ثَمّة عوامل ثقافية واجتماعية، تعليمية وإعلامية، سياسية واقتصادية، تؤثر في التفكير وتشكل طريقة عمله، وتصنع أنماطه وأساليبه المتنوعة.
الفارق الجوهري هو بين مجتمع واعٍ قادر على تنمية فكره وتجديده، وآخر مقتنع بمثاليته مشبع نفسه بوهم الكمال.
العقل ميال إلى جعل المصلحة الخاصة مصلحة عامة. وقد يبدو الإنسان متحمسا لقضية اجتماعية، من دون أن يعي أن حماسه يدور حول ذاته.
قد أدعي الحياد والموضوعية، وأنا صادق مع نفسي، لأني لم أدرك حجم التأثير والضغط الباطن عليّ، وتأثيره في قراراتي.
حين أحب فلانا، فليس لأنه يمثل الحقيقة، بل لأنه يمثل جانبا مهماً في شخصيتي.
في حياة الفرد والجماعة "بطل" يمثل ذروة الإنسانية. وحين يشح الواقع بالأبطال الحقيقيين، نلجأ إلى اختراعهم. ووظيفة الأبطال مهما تنوعوا واحدة؛ ملء فراغ في ثقافة المجتمع لا يمكن أن يملأه غيرهم. من النادر أن يكون المجتمع قد عرف أبطاله عن قرب، والوجدان الشعبي لا يبدو مكترثا بالحقيقة التاريخية للبطل، بقدر صورته الأسطورية التي صاغها الأدب أو الفن أو المخيال الشعبي.
قد يتنازع حق وحق، فليس كل نزاع هو بين حق وباطل، والمشكلة في زاوية النظر واختلافها وعدم تقدير رؤية الآخر.
حين ينتفع إنسان، يظن الناس كلهم منتفعين ويريد منهم الرضوخ والاستسلام. كثيرا ما نسخر بما يخالف مألوفنا، أو نرفض معلومة لا تطابق مقاييسها معلوماتنا البدائية. أشار أبو حامد الغزالي إلى أنه لو حدَّثك أحدٌ أن إنسانًا يحُكّ خشبةً بخشبة، فيخرج منهما شيء أحمر بمقدار نواة التمر، يأكل المدينة وأهلها فسوف تستنكر ذلك، ما لم تتعلم أن حك غصنين من شجرتين يولد شعلة نار قابلة لإحراق مدينة!
وحين تُحَدِّث شخصًا معزولا عن العالم، عن التلفاز وكيف أن الأموات تنشر فيه وتتحرك وتتكلم وتضحك، وأن الحروب العالمية تشاهد فيه كأنها تحدث الآن، لعدّ هذا نوعا من الهرطقة.من الطريف أن اثنين شاهَدَا الطائرة في الفضاء لأول مرة، وتكلم أحدهما عند أصدقائه بما رأى، فكذبوه وسخروا منه، فطلب شهادة زميله على الرؤية، ولكن زميله أنكر ذلك وهمس في أذنه: هل تريد أن يتهموني بالجنون؟
أخطر العادات هي عادات العقل. على أن كثيرين سوف يُصدمون عندما يسمعون هذه الكلمة! الجذور الخفية للعادات توجد هنا، ولأنها خفية لا نتفطن لها؛ نحن نفكر "عادةً" بطريقة تلقائية، من دون أن نملك التفكير في تفكيرنا!
التغيير يبدأ من هنا؛ علاج الإدمان والتخلف والجهالة والسياسات الضالة والأخطاء المتكررة، يبدأ من الوعي بمشكلة "طريقة تفكيرنا".
اكتشاف عادات العقل يطور قدراتنا، ويحقق درجة عالية من النفاذ إلى جوهر الأشياء. قد نظن أننا ننظر إلى اتساع الأفق بينما نحن في الحقيقة ننظر من ثقب الباب. الذكاء قابل للتطوير إذا أتقنا مهاراته، وقد كتب آرثر كوستا ست عشرة مهارة أو عادة عقلية في كتابه "عادات العقل" الذي ترجمه حاتم عبدالغني.

*داعية سعودي، والمشرف العام على موقع "الإسلام اليوم".

التعليق