"سوء الظن" "فيروس" يحطم مناعة المجتمع

تم نشره في الخميس 6 شباط / فبراير 2014. 03:17 صباحاً - آخر تعديل في السبت 12 نيسان / أبريل 2014. 06:42 مـساءً

تغريد السعايدة

عمان- ما إن يتعرض الإنسان إلى مواقف معينة في حياته، حتى تتوارد بعض الأفكار إلى ذهنه، فيخشى أحيانا أن "يسيء الظن بها، أو يحسن الظن"، وهي ردود فعل طبيعية عند كل إنسان، نتيجة مشاعر متضاربة تتخلل تفكيره، ومرتبطة بتجارب سابقة مرّ بها في حياته.

ويعتبر البعض أن سوء الظن صفة سائدة بين الناس، نتيجة ظروف اجتماعية ونفسية متغيرة، وبات تأثيرها واضحاً على المجتمع؛ إذ ترى ماجدة نسيم (23 عاماً) أن سوء الظن بالمجتمع المحيط هو الشعور السائد حالياً بين الناس، رغم أنها صفة غير مرغوبة، وتجعل الإنسان يعيش في دوامة من "التفكير المُتعب".

وتؤكد نسيم أن الناس في المجتمعات لديها أعذارها في "سوء الظن"، في بعض الأوقات؛ إذ إن تداخل المجتمعات مع بعضها بعضا، ووجود أكثر من فئة في محيط واحد، يجعل الناس لا يشعرون بالأمان، وبالتالي ينشأ لديهم سوء الظن، ويكون القصد منه التأني والحرص في التعامل مع الآخرين.

فيما تبين أم مؤمن أن الظروف التي يمر بها الإنسان تؤهله ليحسن الظن بالآخرين، والعكس صحيح، وتكون لذلك انعكاسات على طبيعة تفكيره وحياته، والأهم من ذلك، في رأيها، هي الطريقة التي يعامل بها الناس المحيطين به.

وتقول أم مؤمن إن أكثر المشاكل التي قد يقع فيها الإنسان تتأتى من سوء ظنه بالآخرين، ما يجعل ردود فعله سلبية تجاههم، وبالتالي حدوث مشاكل كثيرة، وخاصة إذا كان الأمر بين أفراد الأسرة الكبيرة. إلا أن أم مؤمن تؤمن شخصياً بضرورة أن يحسن الإنسان الظن بالله أوّلاً، وبالمحيطين به ثانياً.

ومن خلال بعض المواقف الشخصية التي قد تحدث لبعض الأشخاص، فإنهم قد يتعمدون فيما بعد إطلاق الأحكام المبنية على سوء النية تجاه الآخرين، ومن ذلك ما حدث مع خالد الذي تعرض لموقف احتيال؛ إذ دعا أحد الأشخاص إلى أن يستقل سيارته من أجل أن يوصله إلى مكان معين، ليتفاجأ بعد ذلك بأنه قد تعرض لسرقة هاتفه النقال.

ومنذ ذلك الوقت إلى الآن وخالد يمتنع عن مساعدة أي شخص يقف بجانب الطريق وبحاجة إلى المساعدة، خوفاً من تكرار ما حدث، وإطلاق سوء النية على الآخرين من خلال مواقف فردية قد تحدث، ويكون فيها الحكم على الآخرين جماعيا.

أما حلا، الموظفة في إحدى الشركات الخاصة، فهي تؤكد أن المواقف التي تعرضت لها من خلال عملها الجديد، جعلتها حريصة في كثير من الأحيان على أن يتحول هذا الحرص إلى شك وسوء نية في تصرفات من حولها وحتى كلامهم وتلميحاتهم.

وتقول حلا إنها الآن تفترض سوء النية بالآخرين من باقي زملاء العمل، من خلال أحد المواقف الشخصية التي حدثت لها مع إحدى زميلاتها واستفزازها لها من خلال الكلام، والمواقف المباشرة، لذا هي حريصة على أن لا تتعامل معهم "بحسن نية أو طيبة"، بحسب وصفها.

واستنادا إلى دراسات نفسية واجتماعية متخصصة في هذا الشأن، يبين مختصون أن ظاهرة سوء الظن، من الناحيتين السيكولوجية والسيسيولوجية -بمجمل تأثيراتها على الفرد والمجتمع- هي ظاهرة خطيرة، و"فيروس يحطم جهاز المناعة لدى المجتمعات والأفراد".

ومن خلال هذا التشبيه، يبين أسامة ناصر أنه يلمس هذه الظاهرة بوضوح في مجتمعنا، ولا ينكر زيادتها في الفترة الأخيرة؛ إذ يرى هذا الأخير أن ارتفاع نسبة الجريمة وحوادث السرقة وغيرها، وسوء الوضع الاقتصادي في المنطقة قد تكون من الأسباب التي تزيد من هذا الشعور، مشيرا إلى أن الخوف من الآخرين يجعل الإنسان يشعر بسوء الظن بالمحيطين، خوفاً من وقوعه فريسة للمحتالين، أو الوقوع في قضايا هو في غنى عنها.

فيما يبين اختصاصي علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، الدكتور سري ناصر، أن المجتمعات التي تمر في أزمات معينة يصبح لديها شك في المحيطين وحالة من سوء الظن بهم، وقد تتحول إلى عدوانية في بعض الأحيان.

كما يبين ناصر أن المجتمع الذي يزيد فيه عدد السكان تزداد معه المشاكل الاجتماعية التي قد تحدث، خاصة مع وجود الأغراب في البيئة ذاتها؛ إذ يظهر هناك نوع من المخاوف تجاه الآخرين.

اختصاصي علم النفس السلوكي، الدكتور خليل أبوزناد، يرى أن هذه الظاهرة تعود لأسباب نفسية واجتماعية يعيشها الفرد خلال حياته اليومية، وبالتالي، يكون قد صوّر في داخله صورة سلبية عن المجتمع، فيراه عدوانيا وسلبيا، ولذلك تكون ردة فعله الداخلية والنفسية تجاه الآخرين سلبية فلا يتوقع منهم سوى السوء.

ويضيف أبوزناد أن هذا الأمر قد ينعكس على حياة الفرد وعلاقاته مع الآخرين بشكل عام، فقد يتحول إلى شخص انطوائي، وغير متفاعل؛ حيث إن توقعاته الداخلية المسبقة للأحداث تبعده عن الآخرين، في سبيل تحقيق الأمان الذي ينشده لنفسه، وهذا يختلف تماماً عن "الحرص"، الذي يجب على الإنسان اتباعه.

في حين تؤكد مها زيدان أن حسن الظن بالآخرين، وتوقع الأفضل منهم، يعد من الأمور الإيجابية التي يجب أن يتبعها الناس، لأن توقع الأفضل يجعلهم يشعرون بالأمان مع الآخرين، ويسهم في بناء مجتمع متحاب ومتكافل، يشعر فيه الفرد بأن كل من حوله قد يقدّمون له المساعدة في هذه الحياة.

"لا يجب الخلط بين سوء الظن والحرص"، تقول زيدان، فالحرص واجب وأساسي في مواجهة ظروف الحياة، لكن إذا تحوّل الحرص إلى سوء ظن فقد يتحوّل سوء الظن بدوره إلى "مرض نفسي"، يجعل الفرد يشك في كل من هم حوله، ويصبح إنسانا سلبيا في تعامله مع الجميع، وحتى مع أفراد عائلته.

ومن الأسباب الأخرى التي قد تُحدث عند الإنسان "سوء الظن بالآخرين"، كما يقول أبوزناد، وجود ماضٍ مؤلم في حياة الفرد، أو إساءة تعرّض لها من الآخرين -وقد يكونون من المقربين إليه. بيد أن أبوزناد يشير إلى ضرورة أن يتحلى الإنسان بالتفاؤل، وحسن الظن بالمحيطين به، حتى يحيا في مجتمع متعاون ومتكامل، ولكن مع مراعاة الحرص والحذر، البعيدين كل البعد عن سوء الظن.

ويؤكد ناصر أن سوء الظن قد يسبب أموراً سلبية في المجتمع من أهمها التغير السريع الذي يصيب المجتمع، وهذا بحد ذاته يسبب سلبيات، كما أن التفكك في الأسرة والمجتمع قد يكون من نتائج سوء الظن بالآخرين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اتق شر من أحسنت إليه.. (إلى متى!!)

    الخميس 6 شباط / فبراير 2014.
    اتق شر من أحسنت إليه تراودني دائما هذه العبارة فلم يصبني الخذلان والألم سوى من أقرب الناس لي ومن الناس الذين كان لهم مكانة خاصة في قلبي فما كان مني سوى أن وثقت بهم وقدمت لهم كل ماهم بحاجته عن حسن نية لأكتشف أن خناجر الغدر والخيانة لم تأت سوى منهم وهذا سبب لي بعد شديد عن الناس وعدم الثقة بأحد والصمت في كثير من المواقف واللامبالاة لأي شيء يحدث حتى وإن كان بإمكاني المساعدة تعلمت الكثير بعدما تألمت والمشكلة أن كل منهم كان يحاول أن يبين لي أني أنا المخطأة!!!!