أول شابين عربيين بأطراف صناعية يتحديان ثلوج كلمنجارو

"صعود من أجل الأمل": رحلة تضيء دروب أطفال يحلمون بالحرية

تم نشره في الأربعاء 12 شباط / فبراير 2014. 12:03 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 12 شباط / فبراير 2014. 08:15 مـساءً
  • صورة جماعية لفريق رحلة "صعود من أجل الأمل" - (من المصدر)

غيداء حمودة

عمان- "هنالك أمل حتى آخر لحظة في الحياة". بهذه الكلمات عبرت الشابة الفلسطينية ياسمين نجار التي تعيش بطرف صناعي في قدمها، عن تجربتها في رحلة "صعود من أجل الأمل".
في هذه الرحلة وصلت ياسمين إلى أعلى قمة في أفريقيا في جبل "كلمنجارو"، ضمن المبادرة التي نظمتها ونفذتها جمعية إغاثة أطفال فلسطين مؤخرا.
ياسمين ذات السبعة عشر ربيعا والتي قدمت من نابلس، لم تكن وحدها بظرفها الصحي غير العادي في الرحلة، فقد كان معها أيضا الشاب الفلسطيني معتصم بالله أبوكرش، ذو السبعة عشر ربيعا، والقادم من غزة.
اليوم يعد ياسمين ومعتصم أول شابين عربيين بأطراف صناعية يتحديان ظرفهما الصحي ويصلان إلى أعلى قمة في أفريقيا في جبل كلمنجارو: قمة "أوهورو"؛ التي تعني حرية، ليرفعا العلم الفلسطيني هناك، بعد رحلة شاقة اتسمت بتقلب الظروف المناخية بشكل كبير ومواجهة تحديات متواصلة في طريق المؤدية إلى القمة.
الهدف من الرحلة، التي شارك فيها أيضا الروائي والكاتب المعروف ابراهيم نصرالله، هو "بث الأمل في نفوس الأطفال الذين يعيشون في ظل الصراعات أو في مخيمات اللجوء والتأكيد على قوة الإرادة وإمكانية تحقيق الأهداف"، بحسب مدير جمعية إغاثة أطفال فلسطين الأميركي ستيف سوسبي.
يقول ستيف بإيمان كبير "أردنا أن نوصل رسالة أن باستطاعة أي شخص والأطفال بشكل خاص تحقيق ما يريدونه في الحياة إذا ما تمسكوا بالحلم وسعوا لتحقيقه ذهنيا وفعليا".
فكرة المبادرة جاءت من سوزان الهوبي، وهي أول امرأة عربية فلسطينية تسلقت قمة إفرست، وتمتلك وتدير شركة "رحالة" في دبي لتنظيم رحلات التسلق، والتي قامت بدورها يتنظيم الرحلة. 
سوزان صممت على تحقيق وصول طفلين فلسطينيين بأطراف صناعية إلى كلمنجارو، ومن هنا اتصلت بجمعية إغاثة أطفال فلسطين، وجرت الترتيبات، وتم اختيار كل من ياسمين ومعتصم، وتدريبهما لخوض التجربة.  
وكلمنجارو هو جبل استثنائي حير العلماء في أوروبا، خاصة وأنه مكلل بالثلوج ويقع في قارة أفريقيا المعروفة بدرجات الحرارة المرتفعة وانتشار الغابات والصحارى والنمور والفيلة والأسود فيها.
أما قمة "أوهورو" فتقع على ارتفاع 5895 مترا فوق مستوى سطح البحر.
الرحلة استغرقت الفريق الذي تكون من 12 شخصا 9 أيام، حيث تم التوجه من عمان إلى قطر فتنزانيا وصولا إلى كلمنجارو، ليبدأ المسير من هناك.
كل فرد من فريق المبادرة، قرر الاشتراك في الرحلة بصفة شخصية، وعلى نفقته الخاصة، وأتى كل واحد منهم من بلد معين، واجتمعوا جميعا على إيمانهم بالفكرة وأهمية انجاحها.
الطريق إلى القمة لم تكن سهلة، وما بين تحديات جغرافية المكان المتنوعة من غابات وصخور وممرات ضيقة وجداول مياه، إلى أجواء الطقس المتقلبة التي عاشها فريق المبادرة خلال رحلتهم، كانت ياسمين تعاني أحيانا من التهاب في قدمها، ما يضطرها للوقوف قليلا، ومن ثم شد الرحال من جديد والتوجه نحو "أوهورو".
وبعد يومين من المسير في الغابات الاستوائية بين المناظر الخلابة، تغيرت طبيعة الأرض لتصبح صخرية ورملية، "ما اضطر الفريق للاستعانة بالعصي لتثبيت أرجلهم فيها، إلى أن تم الوصول إلى القمة"، وفق المتطوعة في العمل الانساني رانيا بركات.
المسافة التي قطعها الفريق كانت بمجملها 80 كم، إلا أن التحدي الأكبر كان في آخر كيلومتر (1000 متر) والذي استغرق منهم 12 ساعة من المشي المتواصل، والصعود على جبال لها شكل الحائط (زاوية 90 تقريبا).
في الساعات الاثنتي عشرة الأواخر، حُظر على الفريق التوقف عن المسير أو حتى النوم، "إذ كان من الممكن أن يؤدي أي توقف إو إغماض للعينين إلى الاصابة بغيبوبة"، بسبب تزايد قلة نسبة الأوكسجين كلما قرب الوصول إلى القمة، وفق رانيا التي كانت مسؤولة عن تدريب فريق المبادرة على التسلق.
أما حالة الطقس، فكانت "متقلبة كل بضع دقائق" بحسب معتصم، ففي نفس اليوم كان يتعرض الفريق في رحلة سيره للقمة لجو مشمس وماطر وضباب وحتى ثلوج، دون غطاء لهم من هذه الأجواء سوى الملابس الخاصة التي استخدموها.
ما جعل من هذه الظروف الصعبة مقبولة وممكن العيش معها هو "الروح الواحدة للفريق" وفق رانيا، التي تقول "لقد عاش الفريق هذه الأيام بكل حب، وقدم كل فرد الدعم للآخر بالرغم من صعوبة الظروف، إلى أن تم الوصول إلى الهدف".
"كنا ننسى التعب بالغناء" تقول ياسمين، خاصة عند غناء النشيد الوطني الفلسطيني، أو عند إلقاء نصرالله لأبيات من الشعر. 
الرحلة كان لها مذاق خاص فتحت عيون الفريق على ثقافة التنزانيين الذين رافقوا فريق الرحلة طوال المسير.
يقول معتصم "انبهرت تماما بالتنزانيين، فرغم حملهم لجميع أغراضنا والخيم إلا أنهم شعب يجيد الحياة، يغني باستمرار ويبعث السعادة أينما حل".
فرحة لا توصف عاشها الفريق عندما وصل إلى القمة. تقول ياسمين "لقد بكينا، وشعرنا بحميمية اللحظة والانتصار في نفس الوقت".
ويستذكر ستيف تلك اللحظة بقوله "رأيت ياسمين ومعتصم كأسعد شابين على الأرض". "إنهما قويان وشجاعان ويمتلكان إرادة قوية جدا".
الروائي ابراهيم نصرالله يصف الرحلة في مقال نشر له مؤخرا في مجلة "روز" ووصل عدد القراء لها أكثر من مليون و200 ألف قارئ، بأنها "واحدة من رحلات العمر الكبرى، على صعيد المسافة التي قطعناها مع رفاق ورفيقات الرحلة، صعودا وهبوطا، وعلى الصعيد الإنساني والكثافة التي لمستها بالقلب والعقل على مدى ثمانية أيام، خمسة للصعود وثلاثة للهبوط".
معتصم، الذي واجهته صعوبات في الوصول إلى قطر حيث لم يتمكن في البداية من الخروج من غزة، سيتذكر دائما كيف "كنا منظمين نسير على سطر واحد حتى وصلنا إلى القمة". وبالنسبة له فإن هذه التجربة "لا تنتسى على الاطلاق".
بعدما وصل ياسمين ومعتصم إلى عمان، زارا طفلة (7 أعوام) وشاركا معها تجربتهما لبث الأمل لديها. إلا أن المبادرة لا تهدف فقط إلى بعث الأمل والإيجابية في نفوس الأطفال والأفراد، فهدف آخر هو جمع التبرعات لجمعية إغاثة أطفال فلسطين التي تعمل على توفير الرعاية الطبية المجانية للأطفال العرب ممن لا يستطيعون الحصول على العلاج اللازم والمتخصص في وطنهم الأم.
حتى اليوم أرسلت الجمعية ما يزيد على 1,000 طفل الى الخارج لتلقي العلاج منذ العام 1991 بمساعدة الملايين من الدولارات التي تبرع بها أفراد من خلال الجمعية.
في العام 2014 تسعى الجمعية لجمع مليون دولار لإغاثة الأطفالا لفلسطيين، حيث يمكن لأي فرد التبرع للجميعة من خلال الموقع الإلكتروني للجمعية http://www.pcrf.net/.
الحلم لا ينتهي، ولا العمل والسعي لتحقيقه، فبعد الوصول إلى "أوهورو" في كلمنجارو، تسعى ياسمين حاليا لإكمال دراستها في "التوجيهي" وتحقيق معدل مرتفع، بعدما "زودتني الرحلة بالوقود الكافي" حسب ما تقول.
وتؤكد ياسمين "سأسعى لتحقيق أي هدف أحدده ومخطط لدي"، وتقول بوثوق كبير "إننا دائما جاهزون لبث الأمل ودفع عجلة الحياة إلى الأمام والوصول إلى القمم".

التعليق