البنوك الخليجية أمام تحدي نفسها

تم نشره في الخميس 20 شباط / فبراير 2014. 12:00 صباحاً

بقلم: إبراهيم شكري دبدوب*

عمان- تبدو الآفاق مشرقة للقطاع المصرفي الخليجي. فبعد نجاحه في مواجهة الأزمة المالية العالمية وتخطي تداعياتها، يدخل القطاع المصرفي الخليجي مرحلة جديدة ومختلفة عن تلك التي عاشها ما قبل الأزمة، ولو أنها تتشارك معها من حيث النمو والتوسع والازدهار: هي مرحلة العمل الاستراتيجي.
قراءة لمسار القطاع المصرفي الخليجي تظهر ثلاث مراحل مهمة عرفتها البنوك الخليجية. المرحلة الأولى التي تمتد بين الأعوام 2000 و2008، والتي تسبق انهيار بنك ليمان براذرز، تمثل العصر الذهبي المصرفي الخليجي؛ إذ عاشت البنوك توسعات قوية في ميزانياتها ونشاطها، وبرزت بنوك إقليمية نجحت إلى حد كبير في مبارزة البنوك العالمية ودخلت معها في منافسة في الأسواق المحلية.
عنوان هذه المرحلة كان "النمو". وقد تقدم هذا العنوان على كل النواحي الأخرى التي يقوم عليها العمل المصرفي مثل إدارة المخاطر ومراقبة الالتزامات والانكشافات وغيرها. وقد سجلت البنوك نموا قويا في أصولها رافق النشاط القوي للاقتصادات الخليجية وتوسع الشركات المحلية والاقليمية، ولاسيما المؤسسات المالية والاستثمارية. وقد شهدت هذه الفترة أكبر هوامش في أسعار الفائدة مع أقوى طلب على الائتمان. كما نوعت البنوك من نشاطها حيث شكلت الاستثمارات عنصرا مهما في بيانات الدخل، حتى ابتعد عدد منها عن النشاط المصرفي الأساسي، وتجاوز الخط الفاصل بين البنوك الاستثمارية والبنوك التجارية. وهذه الظاهرة كانت منتشرة على نطاق واسع إقليميا.
لكن هذه النشوة انتهت عقب اندلاع الأزمة المالية العالمية في العام 2008، لتدخل البنوك مرحلة جديدة أسميها مرحلة "الواقعية". في هذه المرحلة، عاد القطاع المصرفي الخليجي إلى أرض الواقع، وقد كان هذا الواقع مؤلما لبعض البنوك. فإثر اندلاع الأزمة المالية العالمية، بان الجزء السفلي من جبل الجليد، وطافت الانكشافات على السطح. عنوان هذه المرحلة كان من دون شك جودة الأصول، التي تقدمت كمعيار على الربحية والعوائد. وانتقلت البنوك من الموقع الهجومي إلى الموقع الدفاعي لحماية أصولها وميزانيتها.
لا شك في أن أثر الأزمة على القطاع المصرفي قد تباين بين دولة وأخرى، بحسب ما اتخذته الحكومات من إجراءات لحماية قطاعها المصرفي وما وضعته من برامج إنفاقية لتحفيز النشاط الاقتصادي. وفي هذه المرحلة، ليس من المجدي الحديث عن الأفضل أداءً، بل عن الأكثر أمانا، أي من استطاع حماية حقوق مساهميه ومن شهد أقل وتيرة تعثر في قروضه وأعلى نسبة تغطية لهذه القروض المتعثرة. فالأزمات هي حين يدفع المرء ثمن سياساته السابقة. وقد دفعت جميع البنوك هذا الثمن مهما كان صغيرا، وسواء بمفردها، أو بمساعدة حكوماتها.
لكن ما يميز هذه المرحلة في الوقت نفسه، أنها كانت قصيرة نسبيا؛ إذ تمتد في رأي لعامين فقط حتى العام 2010. وسرعان ما استطاع القطاع المصرفي الخليجي ترتيب أوضاعه بسرعة مقارنة مع نظيره العالمي. وهذا يعزى بشكل أساسي إلى قوة الاقتصادات الخليجية والفوائض المالية الضخمة التي تتمتع بها، وبالطبع، الإجراءات الحكومية الداعمة. كما تميزت هذه المرحلة بتباعد مساري البنوك الإقليمية الخليجية والبنوك العالمية في الأسواق الخليجية؛ حيث استعادت الأولى عافيتها وباتت مستعدة لمرحلة جديدة من النمو، فيما بقيت الثانية تتخبط بأزماتها وبدأت تقلص تواجدها في الأسواق الخليجية.
أما المرحلة الثالثة التي بدأت في العام 2010، فهي في رأيي، مرحلة "الاستراتيجيات"، وهي تجمع نتاج المرحلتين السابقتين، أي النمو، وفي الوقت نفسه، الاحتفاظ بجودة الأصول. لكن مفهوم النمو هنا يختلف تماما عما كان سائدا في العصر الذهبي، وربما نقيضه: من مفهوم مكيافيللي يقوم على النمو بأي وسيلة، إلى مفهوم استراتيجي يقوم على النمو المستدام والمدروس وفق أهداف استراتيجية محددة.
لقد خرجت البنوك الخليجية من الأزمة بميزانيات أقوى وجودة أصول أفضل. والأهم، أنها خرجت بطريقة تفكير أكثر واقعية. ولا شك في أن الأزمة قد ولدت فرصا كثيرة متاحة اليوم، ولاسيما في ظل تراجع البنوك العالمية في أسواقنا المحلية. وبفضل رسملتها القوية، باستطاعة البنوك اقتناص هذه الفرص.
نعم، تبدو الآفاق مشرقة للقطاع المصرفي الخليجي. لكن التحدي الأبرز أمام البنوك الخليجية اليوم، ولاسيما الإقليمية منها، يتمثل في رأي بقدرتها على وضع الاستراتيجية المناسبة والمحددة الأهداف، ومدى التزامها وقدرتها على تطبيق هذه الاستراتيجية بفعالية. البنوك الخليجية أمام تحدي نفسها.

* الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني عضو مجلس إدارة معهد التمويل الدولي ومجموعة بريتون وودز العالمية
 في واشنطن

التعليق