د.أحمد جميل عزم

الرد على خطة "سياسة الأمر الواقع" الأميركية

تم نشره في الثلاثاء 25 شباط / فبراير 2014. 12:03 صباحاً

في محاضرته في المدارس العصرية بعمّان، الأربعاء الماضي، قال نائب رئيس الوزراء الفلسطيني، زياد أبو عمرو، إنّ ما يسعى وزير الخارجية الأميركي، جون كيري لفعله، هو طرح اتفاق إطار للتفاوض خمس سنوات، وليس حلا نهائيّاً. وفي بعض المصادر الأخرى، وتحديداً الصحافة الغربية، نقلا عن مسؤولين أميركيين، فإنّ المطروح هو اتفاق إطار، مع العمل على التوصل لاتفاق دائم مع نهاية هذا العام 2014. أمّا عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حنان عشراوي، فتكشف، كما تنقل وكالة أنباء "رويترز" قبل أيّام، أنّ ما هو مطروح ليس اتفاقاً حقاً، بل نوع من وثيقة يطرح فيها كل طرف مواقفه، ثم يتم التفاوض بشأنها.
المطروح في أحسن الأحوال، إذن، هو استنساخ اتفاق أوسلو؛ أي إعطاء خمسة أعوام للتفاوض؛ فقد كانت هذه فكرة اتفاقيات أوسلو (1993)، وهي خمسة أعوام من التفاوض بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، على أمل الوصول إلى الدولة. وما قد يُطرح الآن هو الشيء ذاته، مع إشارة ربما إلى قبول فكرة الدولة، ولكن ليس تفاصيلها؛ بل وبحسب عشراوي، فإن ما هو مطروح لا يصل حتى لأجندة متفق عليها للتفاوض، بل أجندتان، سيجري العمل والتفاوض لجعلهما أجندة.
بهذا المعنى، هناك أفكار طائرة لكيري هنا وهناك عن قضايا ذات علاقة بالصراع، حتى وإن استغرق تطويرها عشرات الخبراء والعسكريين الأميركيين. وهناك مبدأ وحيد يُراد الاتفاق عليه، هو خضوع الفلسطينيين الكامل لمبدأ التفاوض، من دون محاولة شيء آخر. وفي المقابل، يُمنحون بعض ما يُبقي سلطتهم على قيد الحياة، ويُسكّن بعض معضلاتهم الحياتية. في الأثناء، تستمر سياسات فرض الأمر الواقع الإسرائيلية، يضاف إليها الآن سياسات فرض أمر واقع أميركية. بمعنى أنّ إسرائيل ستسعى إلى استمرار الاستيطان والتهويد والتهجير للفلسطينيين، وتتعايش الولايات المتحدة مع ذلك، وتدعمه عمليا بالصمت، وتطلب من الفلسطينيين اللجوء للمفاوضات فقط في مواجهة ذلك. وهو ما يؤدي إلى صمت دولي وأوروبي بالتالي.
ولكن في الأثناء، قد تسعى الولايات المتحدة إلى تطبيق سياسات أمر واقع في المنطقة من نوعين: الأولى، تطبيق مبادرة السلام العربية، وتحديداً الشق الخاص بالتطبيع. إذ تسمع من حين لآخر عن اتفاقيات مياه وغاز وتكنولوجيا مع دول عربية. والثانية، تصفية قضايا الفلسطينيين في الشتات؛ مثل التوصل لترتيبات بشأن اللاجئين، ودمجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، أو هجرتهم. وتساعد حالة الشلل التي تعيشها منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل في الشتات، من يريدون أن يراهنوا على ذوبان القضية الفلسطينية تدريجياً. وبطبيعة الحال، فإن ما يطرحه كيري هو أنّ عملية ما ستستمر حتى بعد خروجه من الإدارة الأميركية وانتهاء عمله وزيرا للخارجية، بعد أقل من ثلاثة أعوام.
توجّه هذه الصورة للمفاوضات والسياسات الأميركية والإسرائيلية رسائل واضحة بما يجب فعله عربيا وفلسطينيا. ولكن من جهة، لا يوجد من يقدر أو يريد التقاط هذه الرسائل؛ ومن جهة أخرى، يوجد من يتساوق مع التصورات الأميركية. فعلى صعيد ما يجب فعله، فإنّ القيام بهجوم سياسي شامل في المنظمات الدولية وفي الساحات الدولية الإعلامية والسياسية والمطالبة بتصعيد مقاطعة الإسرائيليين وعزلهم، إضافة إلى تصعيد المقاومة الشعبية بصورة كبيرة، وإعادة بناء البيت الفلسطيني بتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وتحقيق المصالحة، هي الردود الأنسب لحالة الاستهانة بوجود ومصالح الشعب الفلسطيني. ولكن، لا تبدو القوى السياسية الرسمية والقوى المهيمنة مهيأة أو في وارد فعل هذا.
ولكن بما أنّ الفراغ لا يستمر، وبما أنّ للقضية الفلسطينية بعدها الشعبي الضاغط، وظروفها الموضوعية التي تجعل التحلل بصمت مجرد خيال وفكر رغائبي لدى الساسة الأميركيين والإسرائيليين، فإنّ تركيز القوى الشعبية، وفئات المقاومة المدنية، والقوى السياسية التي ما تزال تعتقد بإمكانية بلورة عمل فلسطيني حقيقي وواسع مؤثر في مسار الأحداث، باتت مطالبة بالتعامل مع السنوات المقبلة، بأنّها لا تتضمن اتفاقا أو تغيرا حقيقيا على أرض الواقع، سوى سياسات فرض الأمر الواقع الإسرائيلية داخل فلسطين، يضاف إليها الآن السياسات الأميركية في الإقليم والشتات الفلسطيني، وبرمجة هذه القوى والفئات نشاطاتها وسياساتها والتشبيك بينها لمواجهة هذه السياسات، وفرض بنى تنظيمية وحراكات مضادة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اذن ما العمل ؟ (خلدا الاردن)

    الثلاثاء 25 شباط / فبراير 2014.
    مقال جيد ولكنه في منتهى التشاؤم اذن ما العمل ؟ هل نستسلم للواقع وننتظر سنوات وسنوات من التيه والضياع ام يجب على الاجيال الجديده قلب الطاوله فوق الجميع والبحث عن مخرج لكل هذه الهزائم مهمه الكاتب ان يشير لنا كيف نجد الضوء في نهايه النفق ؟ وشكرا .