حرب الإسلاموية من أجل الشرق الأوسط

تم نشره في الجمعة 28 شباط / فبراير 2014. 01:00 صباحاً
  • مقاتل إسلاموي مدجج بأسلحته في محافظة صلاح الدين السورية - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

روبرت فلفورد - (ذا ناشيونال بوست) 22/2/2014

في القامشلي؛ المدينة السورية الشمالية الشرقية التي يقطنها نحو 200 ألف نسمة، يعمل أعضاء من الأقلية الكردية في البلد على وضع دستور. ومع أنهم لا يحظون باعتراف من الأمم المتحدة أو أي حكومة وطنية، فإنهم يتدبرون أمر التصرف على نحو يشبه كثيراً دولة صغيرة، في خضم الفوضى الطاردة عن المركز للحرب الأهلية السورية.
يظل عدد السكان الأكراد في سورية صغيراً مقارنة بأغلبية البلد العربية. ومع ذلك، يقوم هؤلاء بإنشاء حكومة ذات حكم ذاتي. وتعمل شرطتهم، "وحدات حماية الشعب" المفوضة من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، بالإبقاء على الشوارع آمنة نسبياً. وتقوم حكومة البلدية لديهم بإصدار تراخيص البناء. وتقوم مدارسهم بتعليم اللغة الكردية. وهم يتوقعون أن تأتي الديمقراطية إلى سورية في شكل نظام فيدرالي، يتضمن إنشاء محافظة كردية. وبالنظر أبعد، يحلم هؤلاء الأكراد بأمة كردية جامعة، توحدهم مع نظرائهم في العراق وإيران وتركيا. ويقوم الأكراد الآن بإدارة أجزاء من سورية والعراق -حتى مع عدم وجود أي طرف آخر يعترف بسلطتهم.
يشكل الأكراد السوريون وشبه الدولة التي يقيمونها واحداً من التطورات البارزة الأخيرة في الشرق الأوسط. فتحت ضغط من الحرب الأهلية السورية وتداعيات الربيع العربي، أصبحت الحدود في المنطقة مسامية نفاذة، وأصبحت الهويات الوطنية أضعف، وأصبح اللاجئون والمحاربون الجهاديون يزحمون الطرق، ومعهم المنكوبون وأولئك الذين يريدون التسبب بالنكبة للآخرين أيضاً.
في النتيجة، يبدو الشرق الأوسط وأنه يتجه إلى إحداث أول تغيير في حدوده الوطنية منذ رسمت القوى الاستعمارية الغربية خريطة المنطقة قبل نحو تسعة عقود.
في العشرينيات، بعد أن تفككت الإمبراطورية العثمانية، اغتنمت بريطانيا وفرنسا الفرصة. وعندما وجدتا نفسيهما أمام منطقة واسعة وبلا شكل، قاما بتقسيمها إلى ما تصورتا أنه قطع منطقية، محددة بحدود عشوائية منسجمة مع رغباتهما الاستعمارية. وبذلك، وقعت سورية ولبنان في مدار النفوذ الفرنسي. وتُرك العراق والأردن وفلسطين لبريطانيا. ولم يقترح أحد في باريس أو لندن بوجوب استشارة سكان تلك الأماكن في هذه التقسيمات. وعلى سبيل المثال، تم دس المسلمين العلويين في سورية، حيث أصبحوا أقلية حاكمة فاسدة، وعلى نحو تسبب بالضيق لكل الآخرين.
تأمل إيران اليوم بوضوح أن تصبح قوة هيمنة إقليمية، على نحو يشبه وضع الأتراك في الأيام العثمانية أو الإمبراطورية الفارسية القديمة. ويرتبط حكام إيران المسلمون الشيعة بالحكام العلويين في سورية وبالسكان الشيعة في العراق ولبنان. وعن طريق تمويل وتدريب حزب الله، قامت طهران بتحويل لبنان إلى محافظة إيرانية بحكم الأمر الواقع، حيث يمتلك حزب الله الآن ما يكفي من المقاعد في الحكومة اللبنانية ليمارس حق النقض على أي مشروع قرار، ويمتلك جيشاً يماثل على الأقل قوة أي جيش حكومة، بالإضافة إلى امتلاك أنظمته الخاصة للبث. ومع وجود حزب الله كشريك موال متأهب، أصبح بوسع إيران أن تقوم الآن بإقلاق استقرار أي قوة في المنطقة. وتصف الكثير من البلدان، بما فيها كندا، حزب الله، بأنه منظمة إرهابية. لكنه يبقى أقرب إلى صيغة لدولة غامضة.
في الإصدار الأخير من "منتدى الشرق الأوسط"، كتب جوناثان سباير مقالة بعنوان "هل ما تزال دول سورية والعراق ولبنان موجودة؟"، إنها موجودة بطبيعة الحال، لكن أجزاء منها أصبحت تشكل في الواقع تابعيات لإيران.
الآن، تقف إمبراطورية إيران الشيعية في مواجهة الإمبراطورية السنية للمملكة العربية السعودية (التي تدعم الثوار في سورية، شأنها شأن حكومات سنية عديدة أخرى في المنطقة). وتتصرف كل من هاتين الإمبراطوريتين كما لو أنها تشن حملة لتحصيل منصب مركز القوة في المنطقة. وفي الآونة الأخيرة، يعكف المسؤولون الإيرانيون على مهاجمة السعودية بشدة كانت مدخرة ذات مرة لإسرائيل والولايات المتحدة. ويصف كبار المسؤولين الإيرانيين العربية السعودية بأنها نظام تكفيري وهابي يتعاون مع الأميركان والصهيونية. وتدعو مجلة الحرس الثوري الإيراني إلى "رد حاسم وساحق" ضد السعوديين. في هذا المناخ من التحالفات المتحولة، وجد العنف الطائفي فرصة للنمو في المنطقة. وكانت إحدى النتائج هي أن الإرهابيين أخذوا في استخدام تكتيكات الإرهاب ضد الإرهابيين الآخرين. وغالباً ما تكون إيران -رغم كل قوتها- هدفاً لأعمالهم.
لنأخذ مثلاً تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية (داعش)، الذي يشكل دويلة أخرى وابن عم للقاعدة، يمارس السيادة على قطعة من الأرض في كل من البلدين المذكورين. وكانت تلك هي المكان الذي قُتل فيه 21 من الانتحاريين المحتملين ومدربهم عندما استخدم المدرب عن طريق الخطأ متفجرة حية في التدريب.
وفي كانون الثاني (يناير)، فجرت (داعش) قنبلة خارج مقر حزب الله في بيروت، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة أكثر من 70 شخصاً بجراح. وتفاخرت النشرة التي أعلنت مسؤولية التنظيم عن التفجير بأن الدولة الإسلامية في العراق وسورية تمكنت من اختراق النظام الأمني لـ"حزب الشيطان" في قلب ما يدعى بالمنطقة الأمنية". كان ذلك واحداً من خمس هجمات انتحارية شنت ضد حزب الله أو الإيرانيين في لبنان خلال الأشهر الأربعة الأخيرة. وكان آخر هذه الهجمات هو الذي وقع في الأيام القليلة الماضية، عندما قتل تفجير خمسة أشخاص في المركز الثقافي الإيراني في بيروت. ووصف الصحفيون ذلك التفجير بأنه "هجوم انتحاري مزدوج". فيما وصفه مرتكبوه بأنه "عملية مزدوجة لالتماس الشهادة".
كان هؤلاء مفجرون سنيون، مؤيدون للثوار في سورية، والذين قتلوا أنفسهم في سبيل معاقبة حزب الله وإيران على مساعدتهما لحكومة الأسد. الآن، لا يستطيع الشرق الأوسط الذي ما يزال يناضل من أجل الإفلات من إرث الاستعمار، أن يخلص نفسه من العداوات الإسلامية القديمة.



*نشر هذا المقال تحت عنوان: Islamism's unfolding war for the Middle East

التعليق