محمد برهومة

الحرية.. و"الروبوت التقيّ"

تم نشره في الجمعة 28 شباط / فبراير 2014. 12:00 صباحاً

الإنسان، وفق بعض الباحثين، قابلٌ للبرمجة فعلا، وقابلٌ لأن يكون "روبوتاً تقياً". لكن ربما ليس ذلك من دون استئصال جذري لحريته. وعلى الفكر الإسلامي أن يتجاوز حشر فكرة حرية المعتقد بما يسمى "أهل الذمة".
سوسيولوجياً، الإسلامُ يعاني تخلّفنا، بالقدر ذاته الذي نعاني تأويله وتفسيره في شكل ضيق ومحافظ، وترجمته بطريقة متشنجة وحرفية تمتص أبعاده الإنسانية والأخلاقية والحضارية. كل ذلك يثبت أن ثمة علاقة جدلية بين الإصلاح السياسي في بلداننا وبين الإصلاح الديني.
إنّ فكرة المواطنة المتساوية غير متغلغلة في تضاعيف الفكر الإسلامي الشائع، وما يزال هناك اتجاه غالب بأنه لا بدّ من إخضاع هذه الفكرة لاعتبارات "الشريعة"، بدلا من أن يكون العكس هو القائم والمعمول به. فكرة المواطنة ستتغلغل في عمق الفكر الإسلامي حين يُصار إلى الاقتناع الكامل، من قبل مدارس هذا الفكر المختلفة، بأنّ الحرية منظومة متكاملة غير قابلة للتقسيم والاجتزاء والحذف والانتقاء. ومن المهم تأسيس فكرة الدين والإيمان على الحرية، وأنه لا دين بلا حرية ولا إيمان بلا حرية.
لعل إحدى أهم نوافذنا المحكمة الإقفال نافذة الحرية، وفي عمقها حرية الضمير. وإذا كان كثيرون أشادوا بالتجربة التونسية الأخيرة في مجال إقرار دستور حافل بالانتصار لحرية المعتقد وحرية الضمير، فإن ما نرغب فيه في هذا المقال هو أن يصار إلى تأسيس ثقافة دينية تقبل بهذه الحريات عن قناعة فكرية، وليس عن ضرورة سياسية قد تتغير وتتحول في حال تبدلت موازين القوى في التنافس على استلام السلطة لصالح الإسلاميين. بعبارة أخرى: إن تفاعل الفكر الإسلامي المعاصر مع مسألة الحريات، ومنها حرية المعتقد وحرية الضمير، ليس كافيا ويبقى مبتورا في حال كان خضوعاً لاعتبارات وضرورات "برانية"، وليس نتيجة تحولات وانزياحات "جوانية" من داخل مقولات هذا الفكر، وليس خضوعاً لاعتبارات الأقلية السياسية أو الأكثرية السياسية، من دون أن نغفل أن مثل هذه الاعتبارات من المفترض أن تكون في أي مجتمع محركا للتغيير الفكري، والاقتناع بأن الأفكار وُجدت لخدمة الإنسان وتحقيق مصالحه وتحقيق الخير والصلاح العام.
إنّ أفكاراً مثل الحرية والعقلانية والمساواة بين الناس، هي أعلى مبادئ وأفكار هرم التحضر والتقدم والحداثة التي تعدّ خلاصة إنجازات الإنسان المتراكمة على مدار قرون من التاريخ الإنساني وحتى اللحظة. ويصعب الدفاع عن دين أو إيمان يقف على الضد من تلك المبادئ والإنجازات. ومن هذه المبادئ، كما يقول الدارسون، أن "حرية غير المؤمنين هي شرط حرية المؤمنين؛ وذلك لأنّ الحرية هي حرية المختلِف وليس حرية المماثل (أو الممتثل)، فهذا الأخير لا يطلب حرية. لذلك، حرية الأقلية هي شرط حرية الأكثرية، وحرية الفرد هي شرط حرية الجماعة".
مسألة "الروبوت التقي" تُفقد المنتسبين للدين الفاعلية الحضارية، وتُوقِعهم في الانفصام إزاء العالم والعصر، وتجعل فكرة "الإنسانية المتساوية" غير متغلغلة في قناعاتهم وتصرفاتهم. وبالتالي، يتحول الدين المفتوح الواسع إلى تدين مغلق وضيق. ومن الرائج إسباغ الشرعية على هذا الانغلاق وذاك الضيق في الأفق والرؤية والسلوك، من خلال الكلام عن "غُربة الدين" و"الغرباء".

التعليق