نضال منصور

بين الفساد والنزاهة.. وبندقية للإيجار

تم نشره في الأحد 2 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 2 آذار / مارس 2014. 11:07 صباحاً


استحوذت استقالة رئيس هيئة مفوضي المناطق التنموية والحرة مها الخطيب على السجال الإعلامي والسياسي الأسبوع الماضي، بين مؤيد للخطيب ورافض لما اعتبروه ضغوطاً مورست عليها لإجبارها على بيع أرض في البحر الميت لمصلحة نائب في البرلمان بأقل من سعرها، وبين من يعتقدون أن استقالة الخطيب "بروبجندا" والأساس خلافات لا علاقة لها بقضية بيع الأراضي في البحر الميت.
من المهم التوقف عند بعدين؛ الأول أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت قادرة على الكشف عن قضايا الفساد في ذات اللحظة، ولم يعد من الممكن إخفاء الخلافات والأسرار سواء في أجهزة الدولة أو في أي مكان آخر، والبعد الثاني أن الإعلام أصبح يستخدم ويوظف أكثر من ذي قبل في معارك الخصوم، ويسعى كل طرف لتمرير المعلومات التي يرى أنها تخدمه وتضعف الآخر، وللأسف فإن بعض وسائل الإعلام لا تدقق فيما يمرّر لها من معلومات، وتقبل أن تكون شريكاً في التضليل ونشر حقائق مفبركة، وأكثر من ذلك؛ فإن هناك من يرتضي أن يكون "بندقية للإيجار".
قراءة ما حدث في قصة استقالة الخطيب، ومعرفة الحقيقة في قضية بيع أرض البحر الميت للنائب المحترم، وموقف ودور الحكومة، لا يستقيم أبداً دون التركيز على السياق الزمني للأحداث والتسلسل التاريخي لها.
وأحسنت جريدة الغد في عرضها للوقائع خلال مقابلة مع الخطيب حسب تدرجها الزمني، وملخص القضية أن الأرض التي تنوي شركة السنابل إنشاء فندق عليها عرضت للبيع أكثر من مرة، وفي كل مرة بسعر مختلف وفقاً لتعديلات الأسعار في تلك اللحظة، ولم يقم النائب وهو ـ الشريك الرئيسي في الشركة ـ بإتمام صفقة الشراء، حتى السعر الذي يطالب به حالياً 75 ألف دينار للدونم عرض عليه في عام 2010 ولم يقبل بذلك، لعله يستطيع أن يأخذ الأرض بالأسعار التي عرضت عليه قبل هذا التاريخ.
مربط الفرس في القضية أن الحكومة تريد تمرير الصفقة الآن بسعر غير عادل وغير مماثل لأسعار البيع، وخلافاً لتقديرات اللجنة المختصة بأن سعر الدونم يقارب ربع مليون دينار، ولا يمكن تفسير هذا الأمر خارج لعبة المصالح بين الحكومة والبرلمان، وهي النقطة الأخطر سياسياً، فالتعامل الحكومي مع شركة السنابل ليس باعتبارها مستثمرا يتظلم من قرارات مجحفة فقط، بل تتعامل معها باعتبارها سلطة رقابية تحابيها على حساب المصلحة العامة والمال العام.
لم تتوقف الحكومة، ولا النائب، ولا حتى البرلمان عند المخالفة الدستورية التي لا تجيز لأعضاء مجلس النواب خلال عضويتهم أن تكون لهم مصلحة أو شراء من الحكومة، ولم يعلق رئيس الحكومة عبدالله النسور على هذه الإشكالية، ولم نسمع أن مجلس النواب يريد التحقيق أو الإحالة للجنة السلوك، أو أن تحال للجنة النزاهة في البرلمان، لتقول الكلمة الفصل.
ما تبع استقالة الخطيب كان أسوأ، فأصبحت استقالتها مرتبطة بأن راتبها الجديد كرئيس هيئة مفوضين يقل عن راتبها التقاعدي، وكأنها حين عينها رئيس الحكومة لم تكن تعرف ذلك، وأيضاً التشكيك بأن سعيها إلى توسيع حدود المنطقة التنموية للبحر الميت مصلحة مرتبطة بمستثمرين.
تشويه السمعة للقيادات العليا في الدولة أصبح سلوكاً حين يكون لديهم رأي أو يعارضون نهجاً أو موقفاً، وفي ذلك رسالة تأديب لمن يشغلون الوظائف العليا بأن عليهم السكوت والصمت حتى لا تلحقهم نار الاتهامات.
في قضية الاستثمارات في المناطق السياحية مثل البحر الميت والعقبة، هناك من يرى أن سياسة الدولة في بيع الأراضي غير مشجعة، ولا تبني استثمارات سياحية، وقد يكون ذلك صحيحاً.
ففي شرم الشيخ وحتى تونس، تعطى الأراضي تقريباً مجاناً مقابل التزام المستثمر بالإنجاز بشكل سريع جداً، وأن يشغّل عمالة وطنية، وأنا ممن يؤيدون ذلك خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، شريطة أن يطبق ذلك على الجميع وبشفافية، وبمسطرة واحدة، وبعطاءات تنافسية تحكمها النزاهة.
المشكلة فيما حدث أنهم يريدون "تفصيل" سعر خاص ومعاملة خاصة لشخص دون سواه، وليس تأسيس منهج في جذب الاستثمارات.

التعليق