عولمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي

تم نشره في الخميس 6 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً

نايري وودز؛ جيفري جيرتز*

أكسفورد- تُرى هل ينبغي للولايات المتحدة أن تشعر بالقلق بشأن ما إذا كانت سياستها النقدية تعيث فساداً في البلدان الناشئة والنامية؟ كان هذا هو السؤال الذي واجهه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في ذروة برنامج التيسير الكمي، عندما تسببت مشترياته الشهرية من الأصول الطويلة الأجل في دفع المستثمرين المتعطشين لجني الأرباح إلى هذه البلدان، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار العملات والأصول في هذه البلدان. وما يزال السؤال نفسه ملحاً اليوم، بعد أن بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي في خفض مشترياته من الأصول تدريجيا، الأمر الذي تسبب في عكس اتجاه تدفقات رأس المال وتَرَك العديد من البلدان الناشئة والنامية وقد تقطعت بها السبل وأصبحت بلا حول ولا قوة.
وخلافاً لتصورات أغلب المراقبين، فإن الإجابة لا تكمن في التدقيق في صلاحيات بنك الاحتياطي الفيدرالي أو مناقشة سجل صانعي السياسات في البلدان النامية. بل يدور السؤال بدلاً من ذلك حول ما إذا كانت الولايات المتحدة راغبة في قيادة الاقتصاد العالمي، وكيف. وإذا كانت الولايات المتحدة راغبة في الحفاظ على نظام مالي عالمي منفتح ومستقر، فلا يجوز لها أن تتجاهل الاضطرابات الحالية في الأسواق الناشئة.
منذ بدء الحديث عن "الخفض التدريجي" في العام الماضي، تراكمت الضغوط على عدد متزايد من البلدان الناشئة والنامية: فقد انخفضت قيمة عملاتها، وبدأت رؤوس الأموال تفر منها، ووجد محافظو بنوكها المركزية أنفسهم في مواجهة مهمة عصيبة تتمثل في مكافحة تباطؤ النمو المحلي والحفاظ على الاستقرار الخارجي في الوقت نفسه. ويبدو أن التعافي الوليد في الاقتصادات المتقدمة يؤجج حالة من عدم الاستقرار الواسع النطاق، من الأرجنتين إلى تركيا إلى الهند.
لا شك أن بعض المعاناة الأخيرة في البلدان الناشئة والنامية تعود إلى نقاط ضعف محلية. ولكن السياسات المحلية ليست جزءاً من القصة. والواقع أن بعض البلدان التي تتمتع بأسس اقتصادية قوية وسياسات مسؤولة في التعامل مع الاقتصاد الكلي -مثل المكسيك- ما تزال تعاني.
وتماماً كما تسببت الجولات المتعاقبة من تخفيف قيود السياسة النقدية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في إحداث تحولات ضخمة في الظروف المالية في البلدان الناشئة والنامية وأسعار الأصول التي كانت غير مرتبطة بالأسس الجوهرية إلى حد كبير، فإن حالة عدم الاستقرار الحالية في العديد من البلدان الناشئة والنامية كانت مدفوعة بشكل أكبر بالتراجع عن هذه السياسات وليس بعوامل محلية في الأساس. هل هناك إذن ما تستطيع أن تفعله البلدان الناشئة والنامية لتفادي الضرر الناجم عن الموجات التي تفيض ثم تنحسر من رأس المال الدولي؟
مقارنة بما كانت عليه الحال قبل عقد أو عقدين من الزمان، فإن البلدان الناشئة والنامية (من الناحية النظرية على الأقل) تمتلك مجموعة أدوات متوسعة تحت تصرفها. وتعمل هذه الأدوات -بما في ذلك التدابير الرامية إلى إدارة تدفقات رأس المال، والتدخلات في سوق العملة، والتنظيمات المالية الكلية الحصيفة، وتراكم الاحتياطات- على إتاحة بعض الحيز للمناورة.
ورغم هذا، فإن هذه الأدوات مكلفة ومعقدة فنيا -حتى عندما يتم تنفيذها بشكل مثالي- وليست فعّالة دائما. وعلاوة على ذلك، فرغم أن حتى صندوق النقد الدولي أصبح على استعداد لدعم استخدام تدابير لضبط تدفقات رأس المال في ظل ظروف معينة، فإن العديد من البلدان الثرية ما تزال تمارس الضغوط لإقحام فقرات معينة على اتفاقيات التجارة والاستثمار -على سبيل المثال، الشراكة عبر المحيط الهادئ- والتي من شأنها أن تمنع أي استخدام لضوابط رأس المال.
وعلى هذا، فإن البلدان الناشئة والنامية تجد نفسها في مأزق حقيقي. ذلك أن الأدوات المحلية المتاحة تحت تصرفها لا تفيد إلا بقدر محدود في التعامل مع تدفقات رأس المال العالمية المربكة نظراً لقرارات السياسة النقدية التي تتخذ في عواصم بعيدة. ومع هذا، فإن مجرد الجلوس ومراقبة عملاتها وهي تتهاوى مع تسابق رأس المال إلى الداخل والخارج موقف لا يمكن تبريره سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي.
وبوسعنا أن نتصور العديد من السيناريوهات. فقد تلجأ البلدان الناشئة والنامية إلى عزل نفسها على نحو متزايد بإقامة الجدران أمام رأس المال الأجنبي وإغلاق نفسها في وجه الأسواق العالمية: وهذا يعني التراجع عن العولمة. وقد تلجأ البلدان الناشئة والنامية بدلاً من ذلك إلى رعاة جدد أقوياء -الصين على وجه التحديد- لدعمها وحمايتها من تقلبات الأسواق العالمية التي تخرج عن نطاق سيطرتها. وفي سيناريو ثالث، تولي الولايات المتحدة اهتماماً أكبر لمصالحها في الحفاظ على نظام مالي دولي منفتح وتعمل على تخفيف المعضلات التي يفرضها عدم التوافق بين التدفقات المالية المتكاملة عالمياً والسياسة النقدية التي يتم تحديدها على المستوى الوطني.
ومن الواضح أن الولايات المتحدة تُحسِن صنعاً بتشجيع ثالث هذه السيناريوهات وتثبيط الأول والثاني. ولكن كلما كان قدر عدم الاكتراث الذي تظهره الولايات المتحدة لتقلب حظوظ البلدان الناشئة والنامية أعظم كان دفعها لها أقوى في اتجاه أحد البدائل. وسوف تقابل السياسة النقدية الانعزالية في الولايات المتحدة بسياسة نقدية انعزالية في الخارج؛ وبهذا يصبح الجميع في حال أسوأ كثيرا.
ولكن ما الذي قد يكون بوسع الولايات المتحدة من خطوات لضمان بقاء الأسواق الرئيسية مفتوحة؟ في وقت سابق من هذا الشهر، دعت مجموعة العشرين الولايات المتحدة إلى "معايرة سياساتها بدقة وجعلها أكثر وضوحاً للخارج". وهذا لا يكفي. بل يتعين على الولايات المتحدة أن تستمر في تقديم خطوط المبادلة للبلدان الناشئة والنامية التي تحتاج إلى السيولة الدولارية، والانخراط في عمليات استشارية نقدية رسمية وغير رسمية، ودعم الترتيبات الإقليمية الخاصة بالبلدان الأخرى، مثل مبادرة تشيانج ماي.
وعلاوة على ذلك، يتعين على المفاوضين التجاريين الأميركيين أن يكفوا عن الإصرار على تخلي البلدان عن حقها في استخدام تدابير لحماية نفسها من العواقب المؤسفة الناجمة عن السياسة النقدية التي تنتهجها الولايات المتحدة. ومن الأهمية بمكان أن نؤكد أيضاً ضرورة توقف الولايات المتحدة عن حجب موافقتها على إصلاح صندوق النقد الدولي ونشر موارد إضافية من جميع البلدان.
الواقع أن تدابير السياسة النقدية التي اتخذتها الولايات المتحدة مؤخراً وتصريحاتها بشأنها عكست اعتقاداً مفاده أن اهتمام أميركا بالاستقرار في البلدان الناشئة والنامية محدود بمدى الخطر الذي قد تفرضه التقلبات على المصالح الاقتصادية الأميركية في الأمد القريب. وهذه الاستراتيجية القصيرة النظر تتعارض مع الأهداف الجيوسياسية والاقتصادية الأوسع التي تسعى حكومة الولايات المتحدة إلى تحقيقها.
إن الولايات المتحدة تستفيد بلا حدود من النظام المالي العالمي المفتوح، والذي بات الآن مهددا. والسياسة النقدية التي تدرك مدى الترابط المتبادل بين أجزاء العالم اليوم من شأنها أن تحمي المصالح الأميركية البعيدة الأمد.

*نايري وودز عميد كلية بلافاتنيك للدراسات الحكومية. جيفري جيرتز باحث لدى برنامج الإدارة الاقتصادية العالمية في جامعة أكسفورد.
خاص بـ"_" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق