النفط العراقي بين الصراعات المحلية "المذهبية والإثنية" والتجاذبات الإقليمية والدولية

لعبة الأمم والثروة النفطية العراقية

تم نشره في الأحد 9 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • عامل عراقي في حقل حلفايا الواقع قرب مدينة عمرة في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2012 - (أ ف ب)

لهب عطا عبدالوهاب*

عمان- يحتل العراق اليوم المرتبة الخامسة عالمياً من حيث الاحتياطي النفطي المؤكد البالغ 143 مليار برميل، بعد المملكة العربية السعودية وفنزويلا وكندا وإيران مباشرة، بيد أن الإنتاج العراقي الكلي البالغ 2.9 مليون برميل يومياً، في نهاية العام 2013، يضعه في المرتبة الثامنة عالمياً، وما يزال الإنتاج بعيداً عن معدلاته القياسية المتحققة العام 1979 قبيل اندلاع الثورة الإيرانية، ويسعى العراق من خلال ما يعرف بـ"جولات التراخيص" مع شركات النفط العالمية إلى زيادة الإنتاج إلى 12 مليون برميل يومياً بحلول العام 2017 وهو هدف صعب المنال ومن المتعذر بلوغه، بنظر العديد من المراقبين لتضافر العديد من العوامل المحلية والإقليمية والدولية التي تحول دون ذلك.
(1) العوامل المحلية
عملت المحاصصة الطائفية والسياسية التي أضحت ديدن العملية السياسية منذ الاحتلال الأميركي للبلاد العام 2003 على غياب الهوية الوطنية العراقية الجامعة التي كانت آخذة بالتبلور منذ قيام الدولة العراقية الحديثة العام 1921 وإرساء النظام الوطني تحت راية الملك الهاشمي فيصل الأول بن الشريف حسين بن علي، وإن وكان بدرجات متفاوتة. وقد أفضت الانتخابات البرلمانية إلى تبلور نهج يتم بمقتضاه توزيع المناصب وفقاً للانتماءات القومية والمذهبية، ويخشى أن تتحول رويداً رويداً إلى عرف أسوة بالنموذج اللبناني (إذ القاعدة هناك حسب الميثاق الوطني للعام 1943 أن يكون رئيس الجمهورية من الطائفة المارونية ورئيس الوزراء من الطائفة السنية ورئيس مجلس النواب من الطائفة الشيعية).
وفي "العراق الجديد"، أفرزت الانتخابات الأخيرة التي جرت في آذار (مارس) 2010 تكريساً للسياسة الطائفية السائدة حيث توزعت الرئاسات الثلاث على النحو الآتي:
- رئيس الجمهورية من نصيب الأكراد (جلال طالباني).
- رئيس الوزراء من نصيب العرب الشيعة (المالكي).
- رئاسة البرلمان من نصيب العرب السنة (أسامة النجيفي).
وما يزيد الطين بلة، قدر تعلق الأمر بالثروات الطبيعية للبلاد خاصة النفط الخام والغاز الطبيعي، هو أن جل الاحتياطات المعروفة من الوقود الأحفوري وفقاً للدراسات المنشورة لبيوت الخبرة العالمية تؤشر إلى حقيقة مفادها أن النفط والغاز يتمحوران حول حزام محاذي للمنطقة الشمالية الشرقية والجنوبية من البلاد مع شح واضح في المنطقة الغربية (ذات الغالبية السنية). وتضيف هذه الدراسات أن لدى العراق (9) حقول عملاقة جداً Super Giants (ذات احتياطات تزيد على 5 مليارات برميل)، بالإضافة إلى (22) حقلاً عملاقاً (ذات احتياطات تزيد على مليار برميل). وتستأثر الحقول العملاقة في جنوب وجنوب شرق البلاد ما يتراوح بين 70 و80 بالمائة من الاحتياطات المؤكدة للبلاد في محافظات ذات غالبية شيعية منها البصرة والناصرية والديوانية وكربلاء والنجف والعمارة والسماوة والكوت تكاد تكون جميعها مغلقة مع بعض الاستثناءات للتواجد العربي السني خاصة في البصرة (الزبير) والناصرية (حيث عشيرة السعدون المعروفة). في حين تستأثر المنطقة الشرقية قرب كركوك والموصل بحوالي 20 % من الاحتياطي المؤكد.
(2) العوامل الإقليمية
أثارت جولات التراخيص التي أبرمها العراق مع الشركات النفطية العالمية خلال الفترة الواقعة بين تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 وأيار (مايو) 2010 لزيادة الإنتاج إلى 12 مليون برميل يومياً خلال السنوات السبع المقبلة، أثارت حفيظة دول الجوار العراقي وبالأخص المملكة العربية السعودية (المنتج الأكبر للنفط في العالم) وإيران (ثاني أكبر منتج حتى وقت قريب ضمن منظومة أوبك)، ومرد ذلك ما يلي:
- المملكة العربية السعودية: إن بلوغ الرقم الإنتاجي المشار اليه أعلاه قد يفضي الى حدوث "تخمة" في السوق النفطية وفقاً للأوساط السعودية، لا سيما وأن هناك حالياً ما يربو على 4 ملايين برميل يومياً طاقة فائضة لدى دول أوبك منها 2.5 مليون برميل يومياً طاقة فائضة لدى السعودية. إن الطاقة الفائضة هذه ستجعل من الصعوبة بمكان خلق طلب إضافي لمقابلة الإمدادات العراقية، ناهيك عن أن ذلك سيؤدي الى تراكم المخزون التجاري لدى الدول الصناعية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية، مما قد يؤدي الى هبوط حاد وسريع في أسعار النفط.
إن سيناريو محتملاً لانخفاض في الأسعار يعد غير مقبول على الإطلاق لصناعة النفط العالمية. ولعلنا نتذكر ما حصل عند هبوط الأسعار العام 1986 إبّان أزمة الركود الاقتصادي العالمي الى معدلات تتراوح بين 7 و8 دولارات للبرميل، وهو سعر لا يمكن أن تقبله الولايات المتحدة، لا سيما وأن إنتاجها النفطي المحلي باهظ التكلفة، مما أدى الى غلق العديد من الآبار النفطية في ولاية تكساس والولايات الأخرى المجاورة. وقد اضطر نائب رئيس الجمهورية (في حينه) جورج بوش الأب أثناء إدارة ريغان الى الضغط على المملكة العربية السعودية لخفض إنتاجها لتحقيق نطاق سعري قدره 18 دولاراً للبرميل (وقد وافقت أوبك على تبني هذا السعر).
وفي المقابل، عندما انهارت الأسعار العام 1998 على خلفية الأزمة المالية الآسيوية، حط وزير الطاقة الأميركي بيل ريتشاردسون (حاكم ولاية نيو مكسيكو حاليا) الرحال إلى دول الخليج في مهمة لرفع الأسعار والتي أتت أكلها بشكل سريع؛ إذ وافقت السعودية وبقية الأعضاء في أوبك على تبني نطاق سعري يتراوح بين 22 دولاراً للبرميل كحد أدنى و28 دولاراً للبرميل كحد أقصى.
إلى ذلك، فإن وصول الإنتاج العراقي الى معدلاته المستهدفة بحلول العام 2017 سيؤدي الى خلق درجة لا يستهان بها من صراع مصالح داخل أوبك، لاسيما وأن السعودية ما تزال تنظر بعين الريبة الى حكومة المالكي الجديدة؛ إذ قد يطالب العراق بإعادة النظر في حصته الإنتاجية داخل أوبك، ما يمكنه من تعويض الخسائر الكبيرة في صادراته خلال الحرب العراقية الإيرانية وفترة الحصار الذي دام أكثر من 13 عاماً (1990-2003). وتشير التقديرات إلى أن خسائر العراق التراكمية من الصادرات خلال تلك الفترة وصلت الى أكثر من 19 مليار برميل كان نصيب السعودية منها 75 %؛ أي ما يزيد على 14 مليار برميل.
• إيران: لعل إيران، وفقاً للعديد من المراقبين، هي الخاسر الأكبر من الزيادة الكبيرة للإنتاج العراقي لأسباب رئيسية؛ منها:
1 - كانت كل من إيران والعراق من الناحية التاريخية تخضعان لحصة إنتاج واحدة داخل أوبك قدرها 14.5 % من إجمالي إنتاج أوبك. وإن بلوغ العراق لأهدافه المرسومة قد يؤدي إلى مطالبة العراق (الذي ما يزال مستثنى من حصص الإنتاج) الى زيادة حصته لتتماشى مع طاقته الإنتاجية الجديدة، ما يعني خسارة إيران لعائدات لا يستهان بها. ولن تقف إيران مكتوفة اليدين إزاء هذه التطورات، ولعل حادثة حقل الفكة، حين اقتحمت سرية عسكرية إيرانية الحدود في أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2009 رافعة العلم الإيراني لفترة وجيزة على بئر رقم 4 التابعة لحقل الفكة العراقي ما تزال ماثلة في الأذهان، وهي رسالة للشركات الأجنبية للنأي بعيداً عن الساحة العراقية.
2 - وهناك عامل جيوسياسي في غاية الأهمية تلعبه الصين المتعطشة لمزيد من الإمدادات النفطية. وكانت الصين وحتى وقت قريب من أشد حلفاء إيران في مواجهتها مع الغرب على خلفية ملفها النووي وما يتبعه من عقوبات بحق الشركات المتعاملة مع إيران بما في ذلك شركات الطاقة. وإن بروز العراق كقوة نفطية عملاقة في المنطقة قد يغري الشركات النفطية الصينية وبمباركة الولايات المتحدة بإعادة النظر في حساباتها، وقد تجلى ذلك في جولات التراخيص حيث فازت شركة النفط الوطنية الصينية، ضمن تحالف كونسورتيوم ضم شركة بي بي البريطانية، على عقد لتوسيع حقل الرميلة العملاق (تصل قدرته الإنتاجية الى 1.8 مليون برميل يومياً)، كما فازت الشركات الصينية على مناقصة لتطوير حقل الأحدب (في محافظة واسط) الذي تصل قدرته الإنتاجية الى 150 ألف برميل يومياً.
3 - ووفقاً لآخر البيانات المتاحة الصادرة عن الجمارك الصينية، هناك مؤشر واضح على أن الصين ماضية قُدما بمراجعة حساباتها النفطية في المنطقة، تفصح عنها تراجع وارداتها من إيران الى 430 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 10 % مقارنة بالعام 2009، مع زيادة ملحوظة في وارداتها النفطية من دول الخليج والسودان وانغولا.
(3) العوامل الدولية
ذكرت أسباب عديدة للاحتلال الأميركي للعراق في مقدمتها القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي أثبتت الأحداث لاحقاً خلو البلاد منها، إلا أن هناك مؤشرات واضحة على أن مسألة النفط هي "لب" الاحتلال، ولعل أبرز دليل على ذلك هو ما أفاد به السيد Alan Greenspan رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أي البنك المركزي في كتابه الموسوم: "عصر الاضطرابات: مغامرة في عالم جديد"The Age of Turbulence: Adventure in a New World الصادر العام 2007.
وكان Greenspan، حتى وقت قريب، يعد من المقربين جداً للرئيس بوش، إلا أن ذلك لم يمنعه من القول ما نصه: إن ما يحزنه هو أن يقول أمراً سياسياً يعرفه الجميع رغم أنه غير ملائم معرفته، وهو أن حرب العراق هي حرب من أجل النفط بدرجة كبيرة.
ويعزز من هذا الرأي ما حصل في جولات التراخيص لزيادة الإنتاج العراقي من خلال الاستعانة بشركات النفط الأجنبية؛ إذ يلاحظ أن الشركات النفطية الأميركية، لم يكن لها قصب السبق من حيث إجمالي عدد العقود المبرمة والتي شهدت تنوع جنسيات الشركات الفائزة؛ إذ فازت بها كذلك شركات تابعة لدول وحكومات كانت مناهضة بشدة للحرب منها شركات روسية وصينية وفرنسية، بيد أن النظرة الثاقبة توضح بجلاء أن الشركات الأميركية فازت في حقول عملاقة ذات احتياطات نفطية مؤكدة كبيرة.
جولات التراخيص
وفقاً لجولتي التراخيص اللتين أبرمهما العراق مع الشركات النفطية العالمية خلال الفترة الواقعة بين تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 وأيار (مايو) 2010، سيزداد الإنتاج العراقي على النحو الآتي:
1 - جولة التراخيص الأولى لتطوير 6 حقول منتجة ذات احتياطات مؤكدة تزيد على 43 مليار برميل. وشملت هذه الحقول كلاً من حقل الرميلة وغرب القرنة والزبير. وقد فازت في الجولة الأولى من التراخيص كل من شركة BP وشركة النفط الوطنية الصينية (حقل الرميلة) وإكسون موبيل وشل (غرب القرنة) وإيني الإيطالية وأوكسيدنتال (حقل الزبير).
2 - جولة التراخيص الثانية والتي شملت 8 حقول مكتشفة لم تصل بعد إلى طور الإنتاج التجاري وباحتياطي يقدر بـ60 مليار برميل أو ما يعادل نصف الاحتياطي المؤكد. وتوزعت هذه الحقول والعقود على النحو الآتي: حقل القرنة (المرحلة الثانية) كان من نصيب شركة لوك أويل الروسية وإشتات أويل النرويجية، حقول مجنون (شركة شل وشركة بتروناس الماليزية) بالإضافة إلى حقول أصغر في الغراف وبدره والقياره والنجمة فازت بها شركات ذات جنسيات متعددة منها غاز بروم الروسية وتوتال الفرنسية وغيرها من الشركات الأجنبية الصغيرة كشركة سوناغول الأنغولية.
ووفقاً لهذه العقود، يتوقع العراق أن يزيد إنتاجه بحدود 200 ألف برميل يومياً في نهاية العام 2010، وأن تزيد الطاقة الإنتاجية بأكثر من 400 ألف برميل يومياً بحلول العام 2011.
ويأمل العراق، بعد الانتهاء من تطوير حقوله، وفقاً لجولتي التراخيص المشار إليهما أعلاه، بأن تصل الطاقة الإنتاجية فيه إلى 12 مليون برميل يومياً وبزيادة قدرها 9.5 مليون برميل يومياً على معدلات الإنتاج الحالية، وذلك بحلول أواخر العام 2017.
وإن جولتي التراخيص أعلاه أثيرت حولهما العديد من التساؤلات ذات أبعاد متعددة، منها:
(1) إن هذه الجولات قامت على أساس عقود خدمة Service Agreement تتقاضى بموجبه الشركات الفائزة بالعقود رسوم إنتاج محددة تتراوح بين دولار ونصف إلى دولارين عن كل برميل إضافي يتم إنتاجه، بخلاف عقود المشاركة في الإنتاج Production Sharing Agreement التي تمكن الشركات الأجنبية من احتجاز النفط الخام لفترة طويلة بما يفضي إلى رهن الاحتياطات المؤكدة للأجيال المقبلة.
(2) تنوع الشركات الفائزة في جولات التراخيص؛ إذ لم تقتصر حصراً على الشركات الغربية خاصة الأميركية والبريطانية التي شاركت في الحرب على العراق، بل ضمت كذلك شركات تابعة لدول وحكومات كانت مناهضة بشدة للحرب منها شركات روسية وصينية ونرويجية وماليزية، ما يجعل من مقولة "سرقة النفط العراقي" لا يجانبها الصواب بشكل كبير رغم الإقرار بأن النفط كان إحدى الأجندات الأميركية لغزو البلاد، بالإضافة إلى ملف الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل التي أثبتت الأحداث خلو البلاد منها.
وعلى النقيض من ذلك، يرى العديد من المراقبين بما في ذلك وكالة الطاقة الدولية IEA، أن العراق لن يكون بمقدوره زيادة إنتاجه كما يخطط له أي الوصول إلى 12 مليون برميل يومياً لأسباب لوجستية عديدة منها ما يتعلق بالبنى التحتية والكادر البشري، ناهيك عن الوضع الأمني الذي ما يزال هشاً رغم التحسن الملحوظ في السنوات القليلة الماضية. كما أن السوق العالمية غير قادرة على استيعاب مثل هذه الزيادة لاسيما إذا ما علمنا أن هناك حالياً بحدود 6 ملايين برميل يومياً طاقة فائضة لدى الدول الأعضاء في أوبك خاصة في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي قد يؤدي إلى نشوب تضارب في المصالح بين البلدين. ومن الناحية التاريخية، فإن حصة العراق في أوبك كانت محددة عند معدل 14.5 % من الإنتاج الكلي للمنظمة، ما يعني أن إنتاج العراق وفقاً لهذه الحصة لن يزيد على 5 ملايين برميل يومياً بحلول العام 2020، أي نصف الإنتاج المستهدف وفقاً لجولات التراخيص.
كما أن التقديرات المستقبلية تشير إلى أن الزيادة في الطلب على نفط أوبك بحلول العام 2020 ستتراوح بين 3 ملايين برميل يومياً كحد أدنى و6.5 ملايين برميل يومياً كحد أقصى في أحسن الاحتمالات. إن هذا المستوى من النمو في الطلب سيكون من الصغر بمكان لاستيعاب الزيادة الكبيرة في الإنتاج العراقي.
الاستراتيجية الأميركية للطاقة
وهناك عامل على درجة كبيرة من الأهمية يضفي مصداقية كبيرة للرأي القائل إن النفط كان أحد العوامل الرئيسية للحرب تجسدها الاستراتيجية الأميركية للطاقة القائمة على محورين رئيسيين:
1 - ضمان التدفق الآمن لإمداداتها وإمدادات حلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من دول منطقة الشرق الأوسط بما فيها الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.
2 - إبقاء المعاملات الدولية بما فيها النفط "مقومة" بالدولار الأميركي. ويمكن القول من الناحية العملية إن النفط العالمي أصبح "الغطاء" للدولار بدءا من العام 1971 حين قررت إدارة الرئيس نيكسون إيقاف العمل بقاعدة الصرف بالذهب Gold Standard التي تم اعتمادها العام 1944 فيما يعرف بـ"اتفاقية بريتون وودز". وفي عالمنا المعاصر اليوم، فإن أغلب البورصات في العالم لاسيما تلك الأوربية منها والتي تعتمد اعتماداً مطلقاً على استيراداتها النفطية (أكثر من الولايات المتحدة) تسعر نفطها بعملة الدولار. وتشير التقديرات الى أن التداول اليومي بالدولار لأغراض تتعلق بتجارة النفط الخام ومشتقاته فقط تربو على 5 مليارات دولار يومياً. وعليه فإن أي محاولة لإعادة تسعير النفط بعملة أخرى غير الدولار تعد "خطاً أحمر" للولايات المتحدة لا يجوز تجاوزه مهما كان الثمن. ويرى العديد من المراقبين أن العراق دفع ثمناً باهظاً عندما لجأ في مطلع العام 2002 الى التسعير باليورو. وأن هذه المحاولة للخروج عن الإجماع العالمي أجهضت بعد الاحتلال مباشرة.
ويذكر أن بعض الدول النفطية منها إيران وفنزويلا التي تتخذ موقفاً معادياً للسياسات الأميركية تدرس بجدية إمكانية تسعير نفطها باليورو. كما تتردد الدعوات في أوساط الصناعة النفطية كلما هوى الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى الى إعادة التسعير من خلال سلة عملات تضم بالإضافة الى الدولار؛ اليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني.
بيد أن هناك شبه إجماع في أوساط الأسواق المالية مفاده أن الدولار سيبقى مهيمناً في المعاملات الدولية ولسنوات عديدة مقبلة، خاصة وأنه يحتل أكثر من 80 % من حجم المبادلات، كما أنه يمثل أكثر من 60 % من الاحتياطات النقدية العالمية لدى البنوك المركزية.
خلاصة القول، ومع الإعلان عن جولات التراخيص النفطية لزيادة الإنتاج إلى 12 مليون برميل يومياً ومع قرب الإعلان عن جولات تراخيص جديدة للتنقيب والاستكشاف عن الغاز الطبيعي الذي ما يزال يحرق عند إنتاج النفط Flared Gas، مما يكلف العراق مليارات الدولارات التي يتم إهدارها، تشخص أنظار شركات النفط العالمية من جديد إلى السوق النفطية العراقية لمواجهة الطلب المتعاظم على النفط، لا سيما بعد خروج العالم مؤخراً من أزمة الكساد وتوقع نمو الطلب بشكل مضطرد خاصة في الاقتصادات الناشئة بقيادة الصين والهند بالإضافة إلى روسيا والبرازيل.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سلطة الموارد الطبيعية (مقداد الخطيب)

    الاثنين 24 آذار / مارس 2014.
    مرة اخرى يطل علينا الاستاذ لهب عطا بقدحة ذهنية مضيئة. ان في هذا المقال الشيق درس مهم وهو ضرورة الاستفادة من سلطة الموارد الطبيعية في تحقيق سياسات نمو اخضر يمكن ان تؤمن تدوير الموارد الى اهدف تنمية مستدامة كما انها فرصة لترسيخ اسس تنموية قابلة للتوريث كبديل للموارد قابلة النضوب.
    بارك الله فيك سيدي الكريم والى مقالات اخرى
  • »شكرا على هذا المقال (عاشئة البستكي)

    الأربعاء 12 آذار / مارس 2014.
    أحسنت أيها الكاتب تحليل واقعي ومنطقي...... تحية لك على هذا المقال المميز... بارك الله فيك وجزاك كل خير وحفظك من كل سوء
  • »متى نخرج من المأزق؟ (عدنان يانوزاي)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2014.
    تحليلا واقعيا يستعرض فيه التحديات المستقبلية بوضوح في وجه أوضاعنا المتردية والظلام السائد علينا. هل سنتمكن من اعادة أمجاد الماضي ومسح ذكرى الهزائم المتكررة علينا؟ تساؤلات يتطرق اليها هذا الباحث الناشط بشجاعة ونظرة ثاقبة ولذا يستحق الشكر