ماذا إذا سحبت اليابان اعتذارها؟!

تم نشره في السبت 15 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء الياباني شينزو أبي - (آرشيفية)

أيان بورما*



نيويورك - مرة أخرى، يؤجج رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي النار تحت مرجل الصراعات القومية والضغائن التاريخية. ها هو هذه المرة يكلف لجنة من المؤرخين بإعادة النظر في الاعتذار الرسمي الذي تم تقديمه في العام 1993 عن "نساء المتعة"، رقيق الجنس من النساء اللواتي احتُجزن في مواخير اليابان العسكرية إبان الحرب العالمية الثانية. ويتضح من التصريحات المختلفة التي صدرت مؤخراً أن بعضاً من أقرب مستشاري آبي يعتقدون أن الاعتذار لم يكن في محله. ولذلك، فإن اللجنة ربما تنتهي إلى أن اليابان لم تكن متورطة على المستوى الرسمي في البغاء قط، وبهذا ينبغي لها أن تسحب "ندمها الصادق".
ولكن، أي سبب أحمق قد يكون وراء سعي آبي إلى مثل هذه النتيجة؟
مما لا شك فيه أن تمويه أو إنكار الفصول السوداء في التاريخ القومي لا يقتصر على اليابان وحدها. فلا مكان مثلاً لعمليات القتل الجماعية التي ارتُكبت في عهد ستالين في ذلك النوع من التعليم "الوطني" المفضل لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتن. كذلك كان التجاهل الرسمي لمصير مذبحة ساحة السلام السماوي، والتي لم تكن سوى مثال للحوادث الدموية في ماضي الصين الحديث.
لكن اليابان دولة ديمقراطية تتمتع بحرية التعبير. وكان المحرك وراء الاعتذار الرسمي الذي قُدم في العام 1993 هو اكتشاف مؤرخ ياباني وثائق تبين تورط جيش اليابان الإمبراطوري بشكل مباشر في إنشاء، وليس بالضرورة إدارة، ما كان يُعرف بـ"محطات المتعة". وكان أحد الأسباب الرسمية أن شيوع اغتصاب جنود يابانيين لنساء صينيات كان يثير مقاومة شديدة للغاية بين السكان المحليين.
كانت الوسائل متنوعة لملء المواخير بالشابات. ونظراً لأنه لم يكن هناك مهرب، كانت النساء يدخلن في دائرة الرق فعلياً بمجرد الإيقاع بهن في شرك منظومة البغاء. وقد تم الاعتراف بهذا رسمياً، فلماذا يعاد إذن فتح هذه القضية الفظيعة الآن، في وقت قد يؤدي فيه إلغاء الاعتذار إلى تدهور أكبر كثيراً في علاقات اليابان المتوترة أصلاً مع الصين وكوريا الجنوبية.
لو كانت وجهة نظر آبي وحلفائه عالمية متحررة من الأحقاد القومية، ويصاحبها فهم عميق للدول الأخرى أو اهتمام بها، لكان قرار إعادة النظر في اعتذار 1993 سيصبح شاذاً حقاً. ولكنهم مثل الكثير من القادة السياسيين، خاصة المنتمين إلى اليمين القومي، تغلب عليهم النزعة الإقليمية المتعصبة لقومياتهم، ويكاد جُل اهتمامهم ينحصر في الشأن المحلي. وفي مساعيهم لمراجعة السجل التاريخي، لا يفكرون حقيقة في الكوريين أو الصينيين، بل في خصومهم السياسيين في الداخل.
تتسم آراء اليابانيين إزاء تاريخ بلادهم في وقت الحرب بانقسام عميق يعكس خطوط المعركة السياسية المرسومة في أعقاب الحرب مباشرة، عندما كان اليابانيون تحت احتلال الحلفاء. فالولايات المتحدة الأميركية، التي أدارت الاحتلال، كانت حريصة على إصلاح المجتمع الياباني على النحو الذي يجعله لا يفكر في خوض أي حرب أخرى. وقد أُلغيت عبادة الإمبراطور بالرغم من بقاء هيروهيتو على عرشه. كما شهد التعليم تطهيراً من كل العناصر المتعلقة بالتربية العسكرية أو الأفكار "العدائية"، بما في ذلك الإشارات الإيجابية إلى روح الساموراي. وحَظَر دستور مسالم جديد كتبه الأميركيون استخدام القوة المسلحة. وحوكم قادة اليابان خلال الحرب أمام قضاة من دول التحالف في طوكيو بتهم ارتكاب "جرائم ضد السلام" و"جرائم ضد الإنسانية".
كان معظم اليابانيين الذين سئموا الحرب والجبروت العسكري سعداء بالتعايش مع كل ذلك. لكنها كانت هناك دوماً أقلية يمينية شعرت بالمذلة والامتعاض لضياع الكبرياء الوطني، وما هو أهم من ذلك، السيادة الوطنية، لأن أمن اليابان بات من وقتها يعتمد كلية على الحماية التي توفرها الولايات المتحدة.
كان نوبوسوكي كيشي -جد رئيس الوزراء آبي- أحد القادة الرئيسيين لتلك المجموعة من القوميين الساخطين على نظام ما بعد الحرب. وكان هدف كيشي استعادة الكبرياء والسيادة اليابانية من خلال تنقيح الدستور وإحياء الوطنية المحافِظة، ومن ثم إلغاء بعض الإصلاحات التعليمية التي أدخلتها الولايات المتحدة. وقد فشل في مساعيه لأن أغلب اليابانيين كانت ما تزال لديهم حساسية تجاه أي شيء تفوح منه رائحة العسكرية.
حتى وقت ليس ببعيد، كان هناك تيار يساري قوي في التعليم وبعض وسائل الإعلام، حيث استخدم هذا التيار سجل وقت الحرب الرهيب كحجة ضد أي نوع من التعديل أو التنقيح. لكن استخدام اليسار الياباني للتاريخ لبيان هذه الحجة السياسية كان يواكبه دوماً رد من القوميين الذين زعموا أن القصص عن الفظائع التي ارتكبت وقت الحروب مبالغ فيها بشكل مفرط.
حتى أن الكتب التي صدرت عن مذبحة نانكينج المشينة في العام 1937 أو استرقاق "نساء المتعة" في المواخير العسكرية تم التنديد بها على أنها "ماسوشية تاريخية" أو رفضت بوصفها "رؤية للتاريخ من منظور محاكمات طوكيو". واتُهم اليساريون بالتورط في نشر الدعاية الأجنبية، أي التي تعكس وجهة النظر الصينية أو الكورية أو الأميركية.
هذه إذن هي النسخة اليابانية الحديثة من الشعبوية: حيث تسببت "النُخَب الليبرالية"، بتشويهها تاريخ حرب اليابان المجيدة من أجل "تحرير آسيا"، في تقويض النسيج المعنوي للشعب الياباني. ولأن الانهيار الأيديولوجي للسياسة اليسارية في اليابان كان سريعاً ومفاجئاً كما في كثير من دول العالم الغربي، فقد خسر من سُموا بالصفوة والليبراليين قدراً كبيراً من نفوذهم السابق. ونتيجة لذلك، أصبح صوت القوميين أعلى في السنوات الأخيرة.
هكذا، قد ينجح آبي في تنفيذ مخططه الرامي إلى تعيين مقربين له في مجلس إدارة هيئة الإذاعة اليابانية، أو شركة الإذاعة الوطنية، التي تزعم علناً أن المواخير العسكرية كانت بالكامل مشروعاً خاصاً، وأن مذبحة نانكينج كانت كذبة أجنبية ملفقة. هذا لأن الحقيقة التاريخية ليست هي الغاية، وإنما السيطرة السياسية.
إن رئيس الوزراء الياباني يمارس لعبة بالغة الخطورة. إنه يثير غضب حلفائه في آسيا ويسبب إحراجاً للولايات المتحدة ويهوي بعلاقات بلاده مع الصين من سيئ إلى أسوأ. وهو بذلك ينهج نهج بوتين في دفع نفسه وبلده إلى المزيد من العزلة لأسباب محلية محضة. وفي إقليم تتزايد فيه هيمنة القوة الصينية، سوف يجد آبي نفسه بلا أصدقاء آسيويين.
هنا تتضح تماماً حماقة سلوك آبي. فاليابان المعزولة في آسيا سوف تكون على أي حال  أكثر اعتماداً على الولايات المتحدة، المنتصرة وقت الحرب، والتي يُحملها آبي وحلفاؤه القوميون المسؤولية عن نظام ما بعد الحرب الذي يسعون إلى تعديله.

*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد. وهو مؤلف العديد من الكتب، منها "جريمة قتل في أمستردام: موت ثيو فان غوخ وحدود التسامح". وآخرها "السنة صفر: تأريخ للعام 1945".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع
 "برجيكت سنديكيت".

التعليق