هل تكون عملة الاحتياط العالمية هي الحل؟

تم نشره في الأحد 16 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً

إبراهيم شكري دبدوب*

عمان- يبدو أن العالم لم يعد يحتمل أن يعتمد على عملتين فقط، وباتت الأصوات المطالبة ببديل عن الدولار واليورو تزداد حدة مع مرور الوقت. لكن البنوك المركزية والمستثمرين حول العالم سيدركون أن البديل لا يمكن أن يكون اليوان الصيني، ولا حتى سلة عملات رئيسية. فهل ستعمل الدول العظمى على إنشاء عملة احتياط عالمية جديدة تكون هي الحل؟ أن تدفع باتجاه احياء حقوق السحب الخاصة التي يصدرها صندوق النقد الدولي؟
قد تكون الصين من أكثر المطالبين بالحد من هيمنة الدولار واليورو، وقد اقترحت فعلا العام 2009 استبدال الدولار بحقوق السحب الخاصة. لكن الصين ليست وحدها من يدفع في اتجاه الابتعاد عن الدولار، وإنما أيضا اللجنة التي شكلتها الأمم المتحدة لإصلاح النظام المالي برئاسة الاقتصادي المعروف جوزيف ستيغليتز.
ورغم أن الأزمة المالية العالمية الحالية وتداعياتها على الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والعالم قد أججت هذه المطالبات وجيرت المزيد من الأصوات الى صفوفها، الا أن فكرة إنشاء عملة احتياط عالمية ليست بالفكرة الجديدة، بل لها امتداداتها التاريخية حتى قبل إنشاء حقوق السحب الخاصة من قبل صندوق النقد الدولي. وفي الواقع فإن الفكرة لها جذور كينزية وتعود الى مفاوضات بريتون وودز في العالم 1944. لكن ما الذي يمنع حقوق السحب الخاصة من أن تكون هي عملة الاحتياط العالمية بدلا من إنشاء عملة جديدة؟
على أرض الواقع، لا تشكل حقوق السحب الخاصة أكثر من 3 % من الاحتياطات العالمية رغم مرور أربعة عقود على إطلاقها. والسبب في ذلك يعود الى عدم الاتفاق حول وظيفة حقوق السحب الخاصة وكيفية توزيعها بين الدول: فهل توزع بحسب وزن كل دولة في الاقتصاد العالمي وبالتالي تكون الحصة الكبرى منها للدول الغنية؟ أم بحسب حاجة الدول الى الموارد المالية فتذهب الى الدول الفقيرة؟ أضف الى ذلك أن وظيفة حقوق السحب الخاصة وآلية احتساب قيمتها قد غيرتا مع الوقت. ونتيجة لذلك، لا يتوقع أن تصبح حقوق السحب الخاصة عملة الاحتياط العالمية بدلا من الدولار واليورو.
علاوة على ذلك إن الوضع يبدو أكثر تعقيدا؛ فلكي تتحول حقوق السحب الخاصة الى عملة احتياط عالمية، عليها أن تستبدل الدولار واليورو في المبادلات التجارية، وبالتالي يجب خلق سوق صرف لها بحيث يكون بمقدور الشركات صرفها بالعملات المحلية وإصدار سندات وأدوات مالية واستثمارية مقومة بها، كما يجب أن يكون بمقدور البنوك منح القروض الدولية بها. وهذا غير وارد حاليا.
ولذلك، لم تنجح حقوق السحب الخاصة إطلاقا بأن تكون عملة احتياط عالمية. ومع غياب البديل، وفي ظل عدم الاستقرار الذي يشهده الدولار واليورو والمحاذير التي تحوم حولهما، فإن العالم يبدو في دوامة. فإذا استمر ذلك، فقد تتجه البنوك المركزية حول العالم الى خفض احتياطاتها الأجنبية من الدولار واليورو، وستصبح هذه البنوك أقل قدرة على التدخل لحماية اقتصاداتها من تقلبات الأسواق العالمية، كما ستجد الحكومات نفسها مضطرة الى اتخاذ سياسات حمائية أمام التدفقات المالية الهاربة من الدولار واليورو. وبالتالي قد نعود الى نقطة انهيار ليمان براذرز من حيث جفاف السيولة وارتفاع تكلفة الدين وانخفاض التبادلات التجارية وما الى ذلك من عواقب كارثية، لكن الفرق أن ما كان يعتبر ظرفا استثنائيا قبل أربعة أعوام، سيصبح اليوم حالة دائمة ستستمر طويلا.
إن ما يحصل اليوم يشبه تماما ما حصل في ثلاثينيات القرن الماضي حين لجأت البنوك المركزية الى تسييل الاحتياطات الأجنبية (التي طغى عليها الذهب والدولار والجنيه الاسترليني حينها)، وما حصل في السبعينيات عقب انهيار معاهدة بريتون وودز. لكن عواقت أزمة الثلاثينيات كانت أكثر حدة من تداعيات أزمة السبعينيات، فماذا سيحدث اليوم؟
أعتقد أن ذلك يعتمد على وتيرة تراجع الثقة بالدولار واليورو، وبقدرتهما على أن تظلا عملتي الاحتياط الرئيسيتين عالميا، جنبا الى جنب مع الثقة بقدرة الولايات المتحدة الأميركية ودول منطقة اليورو على تجاوز أزماتها. لكن في كلتا الحالتين، لن تكون تداعيات ما يحصل حاليا أقل مما شهدناه عقب انهيار معاهدة بريتون وودز في السبعينيات.
لذلك أمام الولايات المتحدة ودول اليورو ومسؤوليات كبيرة تجاه العالم أجمع، الا وهي اتخاذ كل ما هو ضروري للخروج من أزماتها. على الأولى أن تدرك أنه لن يكون باستطاعتها توفير السيولة للأسواق العالمية ما لم تعمل على تنمية اقتصادها، وفي الوقت نفسه، الحد من عجوزاتها المالية الضخمة. ولا حل أمام دول اليورو الا اعتماد سياسات تقشفية، وأن تعيد جدولة ديونها السيادية -ولو بتكلفة مرتفعة- وفي الوقت نفسه، أن تعزز رسملة بنوكها لكي تكون قادرة على تحمل أي خسائر قد تنجم عن هذه الديون.
لم يحل العالم معضلة الاحتياطات العالمية القائمة منذ أكثر من قرن من الزمن، ولم يصمد أي حل مقترح أكثر من أربعة عقود قبل أن ينهار، منذ تبني الذهب كاحتياطي عالمي، ثم التخلي عنه وإنشاء حقوق السحب الخاصة، وحتى اليوم.


*الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني
عضو مجلس إدارة معهد التمويل الدولي
ومجموعة بريتون وودز العالمية في واشنطن

التعليق