مشكلة الديون تلوح في أفق أفريقيا بعد عشر سنوات من الإعفاءات

تم نشره في الأربعاء 19 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً

جوهانسبرج - بعد مرور نحو عشر سنوات على قيام نيلسون مانديلا ونشطاء مناهضين للفقر مثل بونو وبوب جيلدوف، بإقناع العالم الغني بإعفاء أفريقيا من ديونها الهائلة، عادت مستويات الدين للارتفاع من جديد في كثير من الدول، الأمر الذي قد يضر بالنمو الاقتصادي في المنطقة.
ومع اصطفاف دول أفريقية للانضمام الى قائمة الدول المصدرة للسندات الدولارية، يحذر اقتصاديون ومحللون من الانزلاق من جديد الى حجم مديونية تضيع المكاسب الاقتصادية التي تحققت في السنوات الأخيرة وتخلق "لعنة سندات" تضارع "لعنة الموارد الطبيعية" التي تشوه الاقتصاد.
وقال مستثمر طلب عدم نشر اسمه "السندات أصبحت مثل بورصات الأسهم والطائرات الخاصة والقصور الرئاسية. كل زعيم أفريقي يريد أن تكون لديه واحدة".
وفي العام 2007، أصبحت غانا أول دولة أفريقية تستفيد من تخفيف أعباء الديون وتدخل سوق المال الدولية طلبا للاقتراض، فأصدرت سندات عشرية بقيمة 750 مليون دولار. وانضمت اليها بعد ذلك السنغال ونيجيريا وزامبيا ورواندا بإصدار سندات.
كما أن الحكومات الساعية لإيجاد بديل للمساعدات الخارجية المتراجعة وسداد كلفة مشاريع البنية الأساسية، بدأت تقبل قروضا بشروط ميسرة من مؤسسات متعددة الأطراف وقروضا أعلى كلفة من بنوك تجارية وقروضا ثنائية من دول مثل الصين والبرازيل.
ولا يوجد خطر مباشر أن تتخلف إحدى الدول الأفريقية جنوبي الصحراء عن السداد، كما أن أغلب الدول توفر جانبا كبيرا من التمويل الذي تحتاجه محليا، لكن ارتفاع الديون بدأ يحرك ذكريات الماضي المؤلمة.
وقال الاقتصادي جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل، في مقابلة خلال مؤتمر في جوهانسبرج هذا الشهر "القطاع المالي يحب أن يجد من يفترسهم وأحدث فرائسه هي الحكومات في الدول النامية".
وأضاف "فهي تتحمل من الدين ما لا تطيق ثم تحصل على الإنقاذ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتبدأ من جديد. وهذا غير معقول لكن ذاكرتهم قصيرة وطمعهم كبير ولذلك فسيتكرر الأمر من جديد".
وبمقتضي مبادرة الدول الفقيرة الأكثر مديونية التي طرحها الصندوق والبنك الدوليان، تم تخفيف أعباء ديون 30 دولة أفريقية من دول جنوب الصحراء. واستكملت أهداف هذه المبادرة فيما بعد من خلال المبادرة متعددة الأطراف لتخفيف أعباء الديون.
ويقدر حجم الديون التي تم شطبها بنحو 100 مليار دولار تراكمت كلها من خلال ديون قبلتها نظم حكم فاسدة وكانت تؤدي الى تجاوز الإنفاق على مدفوعات خدمة الدين قيمة الإنفاق على خدمات الصحة والتعليم مجتمعة.
خطر الإفراط في الاقتراض
ورغم أن القدرة على تحمل الديون تحسنت في أفريقيا منذ مبادرة تخفيف أعباء الدين، فإن دراسة سينشرها البنك الدولي قريبا تحذر من خطر الإفراط في الاقتراض خاصة من جانب الدول التي تتوقع إيرادات جديدة من اكتشافات الموارد الطبيعية.
وبدأت معدلات الدين ترتفع من جديد في كل من غانا وأوغندا وموزامبيق والسنغال والنيجر ومالاوي وبنين وساو تومي اند برينسيب. وإذا واصلت كلها الاقتراض والنمو بالمعدلات الحالية، فإن مؤشرات الديون قد تعود للمستويات التي كانت عليها قبل تخفيف أعباء الديون في غضون عشر سنوات.
ومن الدول الأخرى التي تشهد ارتفاعا سريعا في معدلات الدين اثيوبيا وتنزانيا وبوركينا فاسو.
ومع ذلك، فإن الدراسة تظهر أن متوسط الزيادة في معدل الدين الى الناتج المحلي الإجمالي كان متواضعا على مدى عشر سنوات تقريبا.
وفي الدول الأفريقية الست والعشرين التي استفادت من مبادرة الدول الفقيرة الأكثر مديونية وشملتها الدراسة، انخفض معدل الدين العام الاسمي من متوسط مرجح بالناتج المحلي الإجمالي يعادل 104 % من الناتج المحلي قبل تخفيف الأعباء الى 27 % بحلول العام 2006 عندما كانت أغلب الدول قد حققت استفادة كاملة من مبادرة التخفيف. وبعد خمس سنوات بلغ المعدل 34 %.
وقال مارك رولاند توماس المدير بالبنك الدولي والمشارك في الدراسة التي تمثل أول مراجعة للديون في أفريقيا منذ مبادرة تخفيف الأعباء، إن الاتجاه العام ظل كما كان للدول الغنية بالموارد والدول الفقيرة فيها والدول ذات الدخل المرتفع والدول ذات الدخل المنخفض.
وتظهر غانا التي باعت العام الماضي سندات جديدة بقيمة 750 مليون دولار وأعادت شراء جزء من إصدار يستحق العام 2017 كيف يمكن لمستويات الدين المتنامية أن تهدد ديناميات مالية الدول.
فقد أقبل المستثمرون على غانا بفضل استقرارها ونموها الاقتصادي الكبير الذي بلغ 5ر14 % العام 2011. لكن عجز الحكومة للحد من العجز المالي المتزايد أدى الى تدهور معدلات الدين فأصبح الدين يمثل الآن أكثر قليلا من نصف ناتجها المحلي ارتفاعا من 32 % العام 2008.
وأثر عجز ميزان المعاملات الجارية المتزايد سلبا على السيدي عملة غانا التي تراجعت أكثر من 9 % مقابل الدولار هذا العام بعد انخفاضها 24 % خلال 2013. وخفضت مؤسسة فيتش تصنيفها الائتماني لغانا المنتجة للكاكاو والذهب والنفط الى B  من B- في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
وفي مؤشر على تراجع الثقة في الأسواق، ارتفعت عوائد الدين السيادي الغاني عن أي دولة افريقية أخرى تتداول سنداتها في الأسواق العالمية لتصل الى نحو 9 % للسندات التي تستحق في العام 2023 وإلى أكثر من 20 % للدين المحلي.
وتشبه قصة زامبيا أكبر منتج للنحاس في القارة الأفريقية ما حدث في غانا ولكن بوتيرة أبطأ. وقد خفضت فيتش تصنيفها لزامبيا التي باعت أول سندات لها بمبلغ 750 مليون دولار في 2012 وكان الإقبال عليها شديدا كما أنها تعتزم العودة للسوق مرة أخرى.
ويعادل دين زامبيا 30 % تقريبا من ناتجها المحلي الإجمالي، وما يزال عند مستوى منخفض. وتحتاج الحكومة للإنفاق على الطرق والطاقة، لكن الاقتصاديين يخشون أن يتعذر على زامبيا الاستمرار بمعدل الاقتراض الحالي.
"لعنة السندات"
وبالنسبة لمايكل سيرامي مدير صناديق الأسواق الناشئة لدى مؤسسة ايتون فانس كورب، فإن غانا وزامبيا تمثلان تحديا لفكرة أن النمو المستدام أمر مفروغ منه للدول الأفريقية.
ويقول سيرامي إنه في حين أن السندات الدولية تدمج الدول في سوق المال العالمي ويتيح تدقيق المستثمرين إمكانية تحسين عملية رسم السياسات، فربما يتمثل الجانب السلبي في رخاوة السياسة المالية.
ويضيف "أتساءل عما اذا كانت ثمة لعنة سندات، بل وأخشى منها في بعض الأحيان خاصة في دول أفريقيا جنوبي الصحراء حين تفاجأ بما يبدو وكأنه دخل غير متوقع ثم ينتهي بك الحال الى تدهور في رسم السياسات".
ويقول صندوق النقد الدولي إن الناتج المحلي الإجمالي لغانا سينمو على الأرجح بنسبة 8ر4 % فقط في 2014 انخفاضا من 5ر5 % العام الماضي.
وقال انتون دي كليرك مدير صندوق لدى انفستك إن ثقة السوق أقل من ثقة الحكومة أن النمو المستقبلي سيكفي لسداد الدين.
وكتب دي كليرك في مذكرة لعملائه "اذا جاء النمو في غانا أقل من التوقعات فسيتحول بسرعة الى مشاكل في خدمة الدين".
وامتنعت وزارة المالية الغانية عن التعقيب.
أما في زامبيا فقد قال الوكيل الدائم لوزارة المالية فيليكس نكولوكوسا إن التمويل الميسر من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لا يكفي لتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى، مما يضطر الحكومة للجوء للدائنين من القطاع الخاص.
ويقول البنك الدولي وصندوق النقد إن غانا وزامبيا بوسعهما تحمل الديون بالمعدلات الحالية، لكن غانا عرضة لصدمات.
أسئلة أصعب
ويقول تود موس الباحث لدى مركز التنمية العالمية في واشنطن، إنه رغم الهواجس التي تلاحق دولا بعينها فما تزال أفريقيا في وضع مختلف اختلافا جوهريا عما كانت عليه قبل 20 أو 30 عاما عندما تلقت ديونها السابقة، وذلك بفضل النمو الكبير وتحسن إدارة القطاع العام.
وقال موس إن الاقتراض من القطاع الخاص يفرض أعباء أكبر على الزعماء كي تتسم تصرفاتهم بقدر أكبر من المسؤولية "في حين أن بالاقتراض من البنك الدولي يوجد عنصر الإقراض والإعفاء".
كذلك فإن الاقتراض بإصدار السندات قد يكون حلا للتمويل قصير الأجل بالنسبة لأفريقيا في الوقت الذي ستنهي فيه سياسة تقليص التحفيز التي يتبعها البنك المركزي الأميركي من خلال شراء السندات عصر انخفض أسعار الفائدة في العالم الغني والذي دفع المستثمرين الى الأسواق الناشئة بحثا عن العائد المرتفع.
ويقول مصرفيون إن المستثمرين سيجرون مزيدا من الفحص للعوامل الأساسية للدول المصدرة عما كان عليه الحال في الماضي ويوجهون أسئلة أصعب عن استخدام الأموال. ومن الاختبارات الرئيسية ما اذا كانت الاستثمارات في البنية الأساسية ستولد عائدات تمكن الحكومات من خدمة الديون.
ويقول نيك ديردن مدير حركة التنمية العالمية إن على الحكومات أن تستخدم القروض في تخفيف اعتمادها على السلع الأولية التي ما تزال تمثل مشكلة في أفريقيا.
ويضيف "استخراج المزيد من المعادن من باطن الأرض قد يكون مفيدا جديا للدول الغربية... لكنه اذا لم يطور اقتصاد الدول الأفريقية بطريقة حقيقية فسيؤول بها الحال الى بقاء الدين واختفاء الموارد التي استثمرت فيها".-(رويترز)

التعليق