رسالة مفتوحة للأمير الحسن بن طلال بعيد ميلاده الميمون

تم نشره في الثلاثاء 25 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً

عبد الله كنعان*

سيدي سمو الأمير، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.
بمناسبة عيد ميلاد سموكم، جلست أفكر ماذا أكتب، وماذا أقول. وجلت في خاطري استعرض شريط السنين التي مضت وزادت على خمسة وثلاثين عاماً، كنت ولا زلت أعمل بمعية سموكم. سنون مضت بحلوها ومرها، وليلها ونهارها، ماذا أكتب غير الذي سبق أن كتبته بمثل هذه المناسبة العزيزة.
هل أكتب عن حبكم وإخلاصكم ووفائكم للأردن وأهله وعرشه ونظامه؟ أم أكتب عن رجاحة عقلكم وسعة صدركم وطيبتكم عندما قابلتم إحالتكم على التقاعد من ولاية العهد، بروح المحبة والمخلص والوفي، فوقفتم إلى جانب ابن أخيكم، الذي تحبونه ويحبكم، جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله، مهنئين، وكيف لا وأنتم نعم العم الكبير، ونعم رجل الدولة والوطن، فحافظتم على وحدة الأردن وأهله، الذين أكبروا فيكم محبتكم ووفاءكم، والذين أحببتموهم وأحبوكم، فكنتم يا سيدي موضع الإعجاب والتقدير والاحترام داخل الأردن وخارجه، كما فوّتُّم الفرصة على كل من كانت تسول له نفسه الدس وإيقاع الخلاف. لقد كان ذلك نابعاً من تربيتكم الأصيلة ووطنيتكم ومشاعركم القومية، وقبل كل ذلك، نابعاً من جذوركم، وكيف لا وجدّكم نبي الأمة ورسولها الأعظم عليه الصلاة والسلام. ذلك أن جل اهتمامكم كان ولا يزال رفعة الأردن ونهضته ورفعة شأنه.
لقد عملت وزملائي بمعيتكم لنشهد حرصكم وحلمكم ومحاولاتكم المتكررة، ليكون الأردن سويسرا العرب، أو سنغافورة ثانية في هذا العالم وليعم الأمن والاستقرار في نفوس أبنائه، ولم يتحقق الحلم الكبير بسبب تراكم الأحداث في المنطقة.
فقد كنتم سيدي زميلاً ورفيقاً لكل أبناء الأردن دون تمييز، عرفوك وعرفتهم بأسمائهم وعشائرهم وعائلاتهم.
سيدي سمو الأمير،
لقد تعلمنا من جَدّكم وجَلَدكم ووفائكم وإخلاصكم للعرش الهاشمي معنى الوفاء والانتماء، فقد أعطيتم من فكركم وجهدكم ووقتكم الكثير من أجل رفعة الأردن وشأنه، وكنتم حريصين على تطوير وتنفيذ المشاريع لتركيز دعائم مؤسسات الدولة الأردنية المختلفة، فأمرتم بتأسيس المنتديات الفكرية المتعددة، فكنتم ولا زلتم الأب الروحي والموجه لها حيث تستمد من فكركم العزيمة وتعمل على تجسيد تطلعاتكم لبناء الوطن على أرض الواقع.
كما قُدْتم العديد من المؤسسات التي استمدت من عزيمتكم القوة والإرادة، فأسهمتم في نهضة وتقدم الأردن من جميع النواحي الفكرية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية والرياضية وغيرها، وما زالت هذه المؤسسات شامخة تعمل لخدمة الأردن العزيز.
ولم تقتصر جهودكم سيدي على الصعيد الأردني، بل تعدى ذلك إلى المستوى العربي والإسلامي والعالمي، فناديتم بجمع الكلمة وتوحيد الصف مستشعراً الأخطار المحدقة بالعالم العربي والإسلامي، ودعوتم في المنتديات والمنظمات واللقاءات والمحافل الدولية إلى ضرورة الارتقاء بالإنسانية وتجنب ما يعكر صفو الأمم، والعمل على التقريب بين المذاهب والأديان، وتفهم المشكلات العالمية كالفقر وشح الموارد وغيرها، ووضعتم لحلها المقترحات المناسبة، كما حذرتم من خطورة التطرف وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، ونبهتم إلى خطورة ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي من اعتداءات ممنهجة في الضفة الغربية عامة، والقدس خاصة، وأهمها الاستيطان والاعتداءات على مقدساتها، وكم قلتم وناديتم "لنخطط لأنفسنا قبل أن يخطط لنا" .. ولكن لا حياة  لمن تنادي.
لكل ذلك، فقد حظيتم باحترام وتقدير الجميع، من الأجانب والعرب سواء بسواء، فكنتم عالماً متواضعاً مخلصاً في عملكم وتطلعاتكم الإنسانية، واضعاً نصب عينيكم المصلحة الأردنية والعربية فوق كل اعتبار.
إن في سيرتكم ومسيرتكم سيدي ما يستحق أن تعرفه الأجيال مما يأسر بعلو همته وقوة عزيمته قلوب الجميع، فقد كنتم ملاذاً للكثيرين وأنيساً لهم عند الشدائد والمحن، وقد تعلمنا من آرائكم السديدة ومتابعاتكم الدقيقة الكثير، ودماثة الخلق وحسن التصرف في المواقف، وأدب الحوار، والحنو على الفقير، وإعطاء المحتاج دون مِنّة، وفي سيرة سموكم أيضاً رصيد من العلاقات العربية والإسلامية والدولية ما لا يمكن عده أو حصره حتى أصبحتم موضع الحفاوة والتكريم وخاصة على المستوى الدولي، كل يريد أن تنضموا إليه أو  تشاركوه في عضوية أو رئاسة مؤسسة إقليمية ودولية، وما أعرفه أن سموكم رئيساً وعضواً ومشاركاً في أكثر من أربعين مؤسسة ومنتدى على الصعيدين الأردني والدولي.
فلا أرى شيئاً تغير مما عرفتكم فيه، طيلة تلك السنين، قمةً في الخلق والرجولة والسمو على الصغائر، نموذجاً في التواضع والإخلاص والوفاء للعرش وللأهل والعشيرة الأردنية الواحدة.
فجاحد ومخطئ وأعمى بصر وبصيرة من ينكر دوركم في بناء الأردن، والمحافظة على نظامه والحرص على أمنه واستقراره.
سيدي سمو الأمير،
نحن الذين كنا معكم.. نشهد أنكم كنتم تخشون دائماً بَلْقنة المنطقة العربية، ومن النزاعات الإقليمية والخلافات الطائفية والمذهبية وتحذرون وتنادون، فحاولتم جهدكم قدر ما تستطيعون سموكم للتقريب بين المذاهب، وعقدتم جلسات وندوات ولقاءات لهذه الغاية، انطلاقاً من بُعد نظركم وقد حصل ما كان سموكم يخشاه من قتال بين الأخ وأخيه، على الهوية والمذهب والدين والطائفة والقبيلة والعشيرة، بل والأدهى على العائلة أو اللغة واللهجة.. وقد حمانا الله في هذا البلد العزيز، بفضل قيادته الهاشمية، ووعي أبنائه وتماسكهم وتوحيد كلمتهم في السراء والضراء وهم يشاهدون ما حل بإخوانهم بكل أسى وحزن وألم كبير.
سيدي سمو الأمير،
قبل أيام زارني صديق يحبكم كثيراً، قال لي: آه كم كنت أتمنى لو أنني أديب لأكتب بهذه المناسبة لسموه، أجمل العبارات، أو شاعراً لنظمت فيه أجمل الأبيات، أو موسيقاراً لعزفت لسموه أجمل الألحان، أو كنت ولياً لدعوت له براحة الفكر وهدوء البال، وتمام الصحة والعافية، لا نملك يا سيدي شيئاً نقدمه لكم، هديةً بمناسبة عيد ميلاد سموكم، سوى هذه الكلمات، فلكم مني سيدي في عيد ميلادكم الميمون ألف تحية وتهنئة، مقرونة بالمحبة والإخلاص والوفاء، والدعاء إلى الله العلي القدير، أن يحفظكم ويطيل في عمركم، وأن يمدكم والعائلة الكريمة بموفور الصحة والسعادة وراحة البال، وأن يحفظ الأردن وأهله وقيادته الهاشمية من كل سوء ومكروه، وأن يجعله آمناً مستقراً على الدوام.
وكل عام وأنتم بخير

* امين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

التعليق