كلكم راع

تم نشره في الجمعة 28 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

 

أقصّ قصة وجدتها جميلة، وهي وإن كانت رمزية، ففيها من العبر الكثير، وفيها بعض ما نعاني في مجتمعاتنا من السلبية والنقد غير البنّاء وكثرة اللوم، كل ذلك بعيدا عن العمل والإيجابية والتفاؤل.
تقول القصة: "يحكى أن أحد الحكام فى الصين وضع صخرة كبيرة على طريق رئيسة فأغلقها تماماً، ووضع حارساً ليراقبها من خلف شجرة ويخبره بردة فعل الناس.
مرّ أول رجل وكان تاجراً كبيراً في البلدة، فنظر إلى الصخرة باشمئزاز، منتقداً من وضعها من دون أن يعرف أنه الحاكم. فدار هذا التاجر من حول الصخرة رافعاً صوته قائلاً: سوف أذهب لأشكو هذا الأمر، وسوف نعاقب من وضعها. ثم مر شخص ثان وكان يعمل في البناء، فقام بما فعله التاجر، لكن صوته كان أقل علواً، لأنه أقل شأناً في البلاد. ثم مر ثلاثة أصدقاء معاً من الشباب الذين ما يزالون يبحثون عن هويتهم في الحياة، وقفوا إلى جانب الصخرة وسخروا من وضع بلادهم، ووصفوا من وضعها بالجاهل والأحمق والفوضوي، ثم انصرفوا إلى بيوتهم.
وبعد مرور يومين، جاء فلاح من الطبقة الفقيرة فلم يتكلم، وإنما بادر إليها مشمراً عن ساعديه محاولاً دفعها، وطلب المساعدة ممن يمر. فتشجع آخرون وساعدوه، ودفعوا الصخرة بعيداً عن الطريق.
وبعد أن أزاح الفلاح الصخرة، وجد صندوقاً في طريقه، فيه قطع من ذهب ورسالة مكتوب فيها: من الحاكم إلى من يزيل هذه الصخرة، هذه مكافأة لك لأنك إنسان إيجابي، بادرت لحل المشكلة بدلاً من الشكوى منها والصراخ".
من العبر في القصة أنها تبصرنا بأحوال الناس ونفسياتهم ومواقفهم. صحيح أن كثيرين لا همّ لهم ولا سعي إلا النقد اللاذع، من دون أن يحركوا ساكنا؛ يُكثرون اللعن وسوء الظن وتجريح الناس والهيئات، ولم يكلفوا أنفسهم على الأقل السكوت، فضلا عن أن يقدموا شيئا من الرأي أو العمل.
وفي ديننا أن من قال: هلك المسلمون، فهو أهلكُهم، وفي رواية: فهو أهلكَهم. ففي الأولى أنه أكثر واحد هالك منهم، وفي الثانية أنه أسهم في هلاكهم بمثل هذه المقولات المثبطة. فحري بكل واحد منا أن يعي مسؤولياته ويتفهم دوره، وليكن إيجابيا مقداما متفائلا، فلا يتم شيء في هذه الدنيا إلا بعلمه تعالى وحكمته وإرادته. حتى ما يصيب المسلمين من ضرر وبلاء فبما كسبت أيدينا، وهو العفو الغفور سبحانه، لن يدع الأمة تسير في الزوال، فهي محفوظة، والأيام دول يداولها الله تعالى وفق التزامنا أو انحرافنا. ولا مجاملة لنا في هذا، فسنن الله لا تتخلف ولا تحابي أحدا.
ومن العبر، معالجة تلك النفسيات الطاغية، والقيمة الحقيقية للإنسان. فهو إنسان بقيمه وعطائه، ولا يجوز له أن يتكبر على بني جنسه أبدا. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن الكبر فقال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". فلم التكبر والطغيان؟ أنت فقير إلى الله ورحمته؛ صحتك وما تملك كله بيد الله، وهو قادر على إفقارك وابتلائك، فالعزة هي بالله، وكلنا فقراء إلى الله وهو الغني الحميد سبحانه.
وشعور الغرور بالقوة والمال ملحوظ معروف، وصدق الله تعالى: "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" (العلق، الآيتان 6 و7). فربط سبحانه بين الطغيان والغنى. ومن هنا، كان الغني الشاكر أقرب وأعظم أجرا من الفقير الصابر. وفي الشكر ما فيه من تواضع وتفقد لحاجات الناس، وإنفاق من هذا المال؛ إذ يعلم هذا الشاكر أن المال مال الله، وأن العبد مستخلف فيه، ومبتلى فيه، والله ينتظر منه أن يتصدق وينفق ويعطي، وقدوته في ذلك الصالحون عبر التاريخ، وأعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان أجود الناس.
ومن العبر أن نجعل مع الأمل شيئا من العمل، حتى لو لم نكن طاغين ومن أهل اللوم. فلا يكفي السكوت والتمني، بل لا بد من العمل والعطاء. فهؤلاء الشبان فيهم الخير الكثير، وللأسف يربيهم بعض الناس وبعض الجهات على النقد أكثر من العمل. ولو أن كل واحد منا أصلح قدر استطاعته، لما كان الوضع كما نرى، ولما استفحل الظلم الساكن بلادَنا الإسلامية عقودا من الزمن؛ فواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في رقبة كل واحد منا. ولو طبقنا حديث السفينة الذي أخبر عنه صلى الله عليه وسلم، حين شبه المجتمع بالسفينة، فما واجبنا لو رأينا بعض الناس يخرقون فيها خرقا؟ سيكون الغرق للجميع، وبالأخذ على أيديهم سينجو الجميع، وهكذا في شأننا كله في هذه الحياة.
ومن العبر كذلك هذا العمل الذي ينبغي أن يكون بصمت وإخلاص لله تعالى، فهو المثمر الذي يباركه الله تعالى. وما أجمل أن تكون أعمالنا هكذا بعيدة عن الرياء، بعيدة حتى عن أن يمدحك الناس. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن الخبيئة فقال: "من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل"؛ فهو شعور رائع أن لا يكون معك في عملك إلا الله تعالى، تستشعر معيته سبحانه، وتناجيه وتتقرب إليه بعملك الصالح الخالص من أي شوائب، فهو لله وحده.
ومن العبر هذا التواضع الذي نجده مع المساكين؛ فهم أكثر تواضعا. ولا أتحدث هنا عن الفقر، بقدر ما أتحدث عن المسكنة وإظهار الحاجة لله تعالى. وهنا نفهم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعلني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين"؛ فهو لا يتمنى الفقر، فقد استعاذ منه، إنما يتمنى هذا الشعور بالفقر إلى رحمة الله، الباعث على التواضع لله تعالى. والمهم أيضا في شأنهم أنهم أكثر حكمة ووعيا وعملا، فهم يرون الأشياء بالميزان الحقيقي، ويعرفون واجبهم، ويبادرون إلى العمل، ويحسنون توكلهم على الله تعالى.
وأخيرا حكمة الحاكم، إذ ينبغي أن يعيش مع شعبه؛ يتفقد أحوالهم، ويبادلهم النصح بشكل مباشر وغير مباشر. والحاكم الذي يعيش في عزلة من شعبه هو متردد متوتر. وينبغي له أن يختار الحاشية التي تنصحه، لا التي تعينه على الجبروت. وقد قيل: "صديقك من صدَقَك لا من صدّقك"، والمسؤولية في الإسلام تكليف لا تشريف، يستشعر من خلالها الشخص وقوفه بين يدي الله تعالى، وسؤاله عمن استخلفهم؛ ماذا فعل فيهم. وينطبق على كل من تحمل مسؤولية ما هو منطبق على الحاكم، وصدق رسول الله: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

*أكاديمي أردني

التعليق