علاء الدين أبو زينة

الحِرَفيون الذين لا يعرفون..!

تم نشره في السبت 12 نيسان / أبريل 2014. 11:00 مـساءً

أعرف صديقاً يصعب أن تسمعه يقول "لا أعرف". والسائد أن نرى في ذلك عيباً، لكن هذه السمة خدمت صديقي كثيراً، كان يجد دائماً عملاً ما حين تعز الوظائف، ويتدبر منه أمر عيشه وهو لا يكاد يعرف من أسرار الحرفة شيئا، وإنما يستكشفها بدهاء أوديسي و"يُمَشّي حالَه" في كل مرة حتى يقضي الله بأمره. وفي الحقيقة، لم أعرف عن صاحبي أنه ألحق ضرراً بشيء أو أحد في "مغامراته" الحِرفية التي خاتل بها العوز، حتى استقر به المطاف أخيراً على ما يعرف. لكننا كثيراً ما ندفع أثمان مغامرات الذين يشتغلون في غير ما يعرفون –وما أكثر هؤلاء هنا- من الأفراد إلى المؤسسات.
من كثرة الخبرات المخيبة مع شرائح مختلفة، من "الصنايعية" إلى الأطباء وحتى موظفي البنوك، أصبحتُ أفضل أن أؤجل الأشياء؛ أن أبقي الخَرِبَ على خرابه والمعاملة مؤجلة حتى لا مناص. وعند النقطة التي يصبح فيها لا بد مما ليس منه بد، أضطر إلى ومواجهة احتمالات ما أعتبره سوء طالع شخصي، وربما قلة صبر إزاء طباع الحِرَفيين. من ذلك قصتان قريبتان متزامنتان، كانتا كما يأتي:
بعد أن ساء حال الإضاءة طويلاً في غرفة الجلوس، وتكرر احتراق المصابيح بسبب سوء ترددات التيار الكهربائي على الأغلب، قررت استبدال الثريتين الصغيرتين هناك. زرت محل معدات كهربائية قريب واشتريت ثريتين بسيطتين، وطلبت نصيحة البائع الودود الذي يناديني "يا جار" بكهربائي من طرفه يركبهما. ولحسن الطالع –أو لعله سوء الطالع- كان الكهربائي موجوداً. أشار "الجار" إلى شاب جالس في ركن من المحل، وأبدى الشاب استعداده للخدمة وتبعني بعد قليل مع "مساعد" غير أردني إلى المنزل القريب. كانت معهما حقيبة الأدوات ومثقاب كهربائي كبير. وفي الحقيقة قاما بتثبيت الثريتين في زمن قصير محلّ القديمتين بلا حاجة إلى المثقاب. تفاءلت، وقلت: أغتنمُ الفرصة. قلت لهما أن أضواء السور الخارجي معطلة منذ أجرى جاري تعديلات على بوابته، وربما خرّب "صنايعيوه" كهرباء السور، مثل العادة هنا. أخذا أدواتهما وفككا قواعد مصابيح السور وفحصا هنا ووصلا هناك، بلا طائل. وفي الطريق فتحا علب الكهرباء في المطبخ، ثم قاما بإغلاقها بعد أن يئسا من إمكانية إصلاح مصابيح السور وثبتاها –كما بدا لي- كيفما اتفق. وبالطبع، أخذا فقط أجرة تركيب المصابيح مع الامتنان. ولم يكن حتى المساء التالي حين اكتشفنا أن "المعلمَين" أساءا وصل أسلاك العلب، ولم تكن الكهرباء واصلة منها إلى قابس الثلاجة المجمدة "الفريزر"، فتلف كل ما فيها من المؤونة. اتصلتُ وعاتبت بلطف، فجاءا بسرعة وأصلحا الخطأ "مجاناً" مع الدعوات المخلصة بأن يعوضني الله عن محتويات البراد. وكانت كلفة تثبيت الثريتين، مجرد تثبيت الثريتين البسيطتين، مبلغاً يشتري ثريتين فاخرتين على الأقل.
في الفترة نفسها تقريباً، انكسرت القطعة المعدنية التي تحمل القطعة البلاستيكية الصغيرة "الأظفر" في نظارتي الطبية. كانت النظارة ثمينة نسبياً، فتجولت مع زميل في المنطقة المجاورة وسألنا عن أحد يمكن أن "يلحم" القطعة المكسورة، وكلهم دلونا على محل قريب يصلح كل شيء. وقال صاحب المحل أن إصلاح النظارة ممكن وأعطاني موعداً بعد أربعة أيام، ولم أسأله عن الكلفة. وفي هذه الفترة استخدمت النظارة الاحتياطية ذات القياسات غير الدقيقة، وأضفت يومين على الموعد من عندي لمعرفتي بكيفية احترام المواعيد هنا. ذهبت إلى المحل، فاعتذر الرجل أولاً بأن الموظف المختص غائب. وعندما عدت مع إضافة يومين في الموعد التالي، استخرج "المعلم" النظارة، وقد احترق معدنها الذي كان لامعاً وتفحم، وتفككت عدساتها البلاستيكية الثمينة المضغوطة. اعتذر الرجل، وأكد أنه سيحضر قطعة ما ويعيد النظارة إلى حالها بعد بضعة أيام. أدركت أن النظارة انتهت وأصبحت عظامها رميماً لن تحييه إلا مشيئة إلهية. ومع ذلك، عدت بعد أكثر من أسبوع مع رفيق رحلاتي السابقة، لأجد النظارة لم تصلح، وأعطيت الرجل رقم هاتفي –ولا أظنه سيتصل.
لا متسع هنا لسرد قصة خسارة ثالثة لأسباب شبيهة. لكنني أتصور أن المبلغ الذي أهدره "العارفون الفهلويون" مني ومن آخرين مثلي في نفس الفترة القصيرة، ربما يساوي ثروة. وعندكم التقدير.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دور الحكومة (أبو محمد)

    الأحد 13 نيسان / أبريل 2014.
    هنا يأتي دور الحكومة بعدم الترخيص للحرفيين قبل التحقق من كفاءتهم و كفاءة العاملين لديهم سواء من خلال طلب إختبار كفاءة من جهه معتمدة للتقييم الحقيقي و ليس فقط للتوقيع. و من ثم نعم أتفق مع الكاتب أن هذا الإجراء سيوفر مبالغ هي عبارة عن ثروة حقيقية من الفاقد نتيجة سوء التقديد و هدر الموارد و الوقت و الجهد و لا أبالغ أنها ستكون بمئات الملايين على مستوى المملكة.