"ولتستبين سبيل المجرمين"

تم نشره في الخميس 17 نيسان / أبريل 2014. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي*

هكذا هو القرآن في وضوحه وحسمه، وبيان الحكمة وراء كثير من الأمور. ففي سياق الحديث عن معركة الإسلام والجاهلية، وهذا العناد العجيب من الكفار في وجه الحق الدامغ، وما تتعرض له الفئة المؤمنة من نقد لاذع، وتعذيب جسدي، وتهديد بسحق كرامة هذا الإنسان، لا لشيء إلا أنه آمن ولبى نداء فطرته، تأتي هذه الآية من سورة الأنعام: "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" (الآية 55).
فالله سبحانه يوجه عباده إلى الطمأنينة المطلقة، حتى لو كانت الغلبة للباطل، وأهلُ الحق في ضيق وحرج. إذ إن الله سبحانه مطّلع على ما يجري؛ فلا يتم شيء في كونه إلا بعلمه وبإرادته ووفق حكمته، والمطلوب من المؤمن أن يتفقد نفسه ليس إلا، هل هو على الحق أم لا؟ وهل تنكّب الطريق أم التزمها بشكل كامل؟ وإلا، فالابتلاء موجود، والفتنة مرادة منه سبحانه، ليميز الخبيث من الطيب، وليعلم الله المؤمنَ والمجاهد، علم مشاهدة يقيم به الحجة؛ كما ليعلم الكافرَ أيضا فيقيم عليه الحجة. فلم يكرهنا سبحانه على شيء، فعقيدة الجبر ليست موجودة، ولا يحاسبنا الله سبحانه إلا على اختيارنا، وهو الذي هدانا النجدين، وألهم أنفسنا فجورها وتقواها. وبناء على ذلك كله نتفقد أنفسنا وموقعنا من الله تعالى.
لقد فصل الله الآيات، ووضح المنهج، وأرشد إلى الحق. بعد ذلك، فإن كل نفس رهينة بعملها وحقيقة إيمانها. فنحن في هذه الدنيا في وجود مؤقت، أشبه ما يكون في امتحان. ولكن هذا الامتحان غير معلوم المدة؛ فقد نضع القلم في أي لحظة، ومن دون اختيار منا. وقد أعلمنا الله عن هذه الحقيقة حتى لا نفاجأ، وهذا من تمام عدله سبحانه. والمهم في هذا كله أن ندرك أيضا رحمة الله التي جعلها مقدمة على غضبه، وأنه تعالى يعين عباده كلهم، برهم وفاجرهم؛ فيرشد تارة وينبه أخرى، وربما يُري أحدَنا في منامه شيئا، أو يرسل له من ينصحه، أو يعرضه لابتلاء لعله يتذكر أو يعتبر، وحينها لا يمكن أن يظلم ربنا أحدا، فالناس أنفسهم يظلمون.
وعودة إلى عنواننا؛ فلا بد في هذه الحياة ومعتركها وجهادها ومواجهة الصعاب فيها، من أن تكون لله حكمة واضحة، وهي أن تستبين سبيلُ المجرمين. وهذه الجملة "ولتستبين سبيل المجرمين" فيها قراءات مختلفة. فقد قرئت: "ولتستبينَ سبيلُ المجرمين"، بضم اللام من "سبيل". وقرئت: "ولتستبينَ سبيلَ المجرمين"، بفتح اللام من "سبيل". وقرئت "وليستبين سبيلُ المجرمين"، بالياء في "وليستبين". وكلها متواترة، وتوجيهها أنها بقراءة "ولتستبين سبيلُ المجرمين"، أي لتتضح طريقُهم؛ فالسبيل هنا فاعل. وفي قراءة النصب؛ أي لتستبين يا محمد -صلى الله عليه وسلم- سبيلَ المجرمين، والسبيل هنا مفعول به. وفي القراءة الأخيرة، ليتضح سبيلُ المجرمين؛ فالفرق بينها وبين الأولى هو بين تذكير أو تأنيث لسبيل، حيث وردت في كتاب الله مذكرة ومؤنثة.
والعبرة هنا ليست في تنوع هذه القراءات، بل في رد الأمر لله تعالى في أن تتضح معالم طريق المجرمين نتيجة لهذه المدافعة بين الحق والباطل، وهذا الابتلاء وتلك المبادلة في الأيام. وحين تتضح، فلا بد أن نأخذ الدروس والعبر. ولا يجوز للمسلم أن يكون أحمق غافلا، بل يدرك أهمية رصد وسائل العدو، ابتداء من الشيطان، ومرورا بالكافرين والمنافقين والمجرمين، وانتهاء بنفسه التي بين جنبيه الأمّارة بالسوء، فقد استبان أمر هؤلاء جميعا، فلا يُلدَغ المؤمن من جحر واحد مرتين، ولا يُجرِّب ما هو مجرَّب.
لو أخذنا مبدأ الولاء والبراء مثلا، وأسقطناه على واقع أمتنا مجتمعة، وواقع الأفراد والجماعات، لوجدنا أنفسنا في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه دويلات الأندلس في تسابق أمرائها لموالاة ملوك الصليبيين. وهو الشيء نفسه الذي حصل حين احتل الصليبيون بلاد الشام. وها نحن نكرر الخطأ نفسه، ونطأطئ الرأس لهم ليفتكوا بما تبقى من هوية إسلامية، وليقول أحدنا يوما ما "أُكلت يوم أُكِل الثور الأبيض". والشيء نفسه ينطبق على كثير من جزئيات هذا الدين، وما يريده أعداؤنا منا على وجه التحديد؛ حين نستجيب لنداءات شهواتهم وشبهاتهم. فما أكثر ما يتناولون به فكرنا وأخلاقنا وعقيدتنا، ونحن في غالب الأمر والوقت لاهون ساهون.
إن هذا التقرير من الله تعالى لنا، أن يُجري سبحانه الأمور بحيث تتضح سبيل المجرمين، إنما المقصد منه التحصين الثقافي والعقدي والأخلاقي. وهي رسالة لأولي الأمر جميعا، حكاما وآباءً ومسؤولين، كل في مكانه وثغرته؛ فلا يجوز بعد هذه الإبانة وهذا الكشف لحقيقة أعدائنا أن نجاملهم ونسايرهم، فضلا عن أن نوافقهم، بل الواجب هذا الحسم في عدم الاستجابة لهم. ومن الضروري أن نفرق بين انفتاحنا الحضاري والدعوي وضرورة مخالطة الأمم والشعوب كلها، وبين الوقوع في شباك أعدائنا وتصديق مقولاتهم واتباعهم في باطلهم، فقد تبين الرشد من الغيّ.
إن وصية الله لعباده المؤمنين: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" (الأنعام، الآية 153). وهي الوصية العاشرة الجامعة ضمن الوصايا العشر في السورة نفسها، سورة الأنعام. واستخدم ربنا سبحانه اسم الإشارة القريب (هذا)، فهو قريب معروف يمكن تلمسه. والأمر لنا أن نتبعه، ولا ننخدع بالسبل الكثيرة المنوعة التي يمكن أن يأتينا منها أعداؤنا، حينها تفرقنا عن سبيل الله. والعجيب أن "سبل" جاءت هنا جمعا؛ فهي كثيرة، بينما صراط الله وسبيله واحد معلوم واضح. بينما في الجملة موضوع المقال جاء قوله تعالى "ولتستبين سبيل المجرمين"، بالإفراد، لأن هذه السبل المتنوعة هي أيضا في النهاية طريق واحدة واضحة في اعوجاجها وخداعها وخطورتها البائنة من خطورة من يقوم عليها. فعلى العقل أن يدرك، وعلى الفطرة أن تهتز لتوقظ صاحبها، وعلى الإنسان في النهاية أن يقف على مفترق الطريق ذاك ويقرر: هل يستجيب لله أم لسواه؟



*أكاديمي أردني

التعليق