التسرع بالحكم على الآخرين إيذاء يتبعه ندم واعتذار

تم نشره في الجمعة 18 نيسان / أبريل 2014. 11:05 مـساءً
  • يميل البعض إلى إصدار أحكام متسرعة وغير صحيحة على أشخاص حولهم يندمون عليها لاحقا- (أرشيفية)

منى أبو صبح

عمان- تنزعج الموظفة جمانة إدريس من سلوك زميلتها في العمل المتسرعة كثيرا في الحكم على الآخرين ومنذ الوهلة الأولى، فهي تجزم بأن الشخص الفلاني مغرور أو سيئ الأخلاق مثلا، دون أن تحاول التروي في إصدار حكمها عليه بعد أن تختبره.
تقول جمانة “تعتمد زميلتي على حدسها وإحساسها، ما يجعلها لا تعطي فرصة للحكم السليم على الشخص الذي أمامها”، متابعة أن زميلته تؤكد أن حكمها على الأشخاص وتصرفاتهم نابع من إحساسها وطريقة حديثهم وتصرفاتهم، وتضرب أمثلة ومواقف على حكم أصدرته على أفراد كانت صائبة فيه”.
وتتناسى هذه الزميلة أن “أصابع اليد الواحدة تختلف عن بعضها بعضا” وفق إدريس التي سعت مرارا وتكرارا لتصويب سلوك زميلتها التي تؤكد أنه “خاطئ ويفشل في الغالب”، لكنها لا تكترث بالنصح، بل وتؤثر سلبا على الزملاء الآخرين في العمل الذين يؤيدونها ويتماشون مع آرائها أحيانا.
يتسرع كثيرون بإطلاق الحكم على الآخرين، وتحديدا محاكمة شخص من أول نظرة من دون الجلوس معه وتفهمه، وغالبا ما يبدأ هؤلاء الأشخاص بنشر حكمهم بين المتواجدين بينهم سواء في العمل أو المنزل أو الجلسات العامة وغيرها، في محاولة منهم لإقناع المحيطين بصدق حدسهم وإحساسهم أو من خلال تجربتهم في الحياة، فتراهم يصدرون أحكاما لا تمت في الغالب لحقيقة الشخص المقصود بهذه الأحكام بشيء.
الأربعيني أبو صفوان يشكو كذلك من الأحكام السريعة التي تطلقها زوجته عن شخص معين من الناس من دون إعطاء فرصة لتفهم حقيقته ومعرفة طباعه، وبالتالي تحكم عليهم معتمدة على بعض المعايير المرتبطة بمكانته ومستواه.
ويذكر لها أحد المواقف عندما حكمت على إحدى جاراتها في العمارة بأنها “ثرثارة”، ولم يبن هذا التحليل على موقف ما، بل إن شكلها “يوحي بذلك”، وفق قول زوجته!
غير أن زوجة أبو صفوان فوجئت بعد فترة ليست بالطويلة بأن جارتها غير ذلك تماما، من خلال سماعها الأخبار من الجارات الأخريات اللواتي تقربن منها، ما أثار فضولها في التعرف عليها أيضا.
يقول “لا أنكر أن هناك بعض الأشخاص للوهلة الأولى يظهرون بصورة مغايرة لواقعهم أو شخصيتهم، وبعد التقرب منهم يبدون عكس ذلك تماما”، لذا، يرى أبو صفوان أنه “لا بد من معرفة الناس عن قرب أكثر فأكثر، فهناك بعض الأحكام الخاطئة على الأشخاص تزعجه وتؤذيه خصوصا عند معرفتها”.
ومن الناحية النفسية يبين الاختصاصي النفسي د. خليل أبو زناد أن الشخصية المتسرعة في الحكم من دون النظر إلى الموضوع بشيء من التروي تتصف بـ”الاندفاع، وعادة ما يندم المتصفون بالتسرع في الأحكام ويقعون في حرج دائم، ما يجعلهم كثيري الاعتذار للآخرين”.
وينوه أبو زناد إلى تجنب “التسرع في إصدار الأحكام على الآخرين”، لأنها قد تكون خاطئة ويندم صاحبها بعد ذلك، كما أن التنشئة داخل الأسرة لها أثر مباشر، وفق أبو زناد، في اكتساب صفة العجلة في الحكم على الآخرين من دون ترو وتثبت، فالابن يلاحظ أبويه وإخوانه الكبار يصدرون أحكامً تخصه أو تخص أقاربهم من دون أن يستمع منهم بأنهم تثبتوا عما سمعوا، لذلك عجلة بعض الناس في الأحكام صفة تكتسب من خلال التنشئة الأسرية للفرد”. ويؤكد أن كثيرا من الصفات الشخصية تنمو وتتفاعل من خلال الملاحظة بين أفراد الأسرة، ما يجدر بالوالدين مراعاة ذلك أثناء تربية الأبناء من خلال الاستماع لأبنائهم وعدم الاستعجال في إصدار أحكام تجاه الآخرين. ويضيف، أن المجتمع وثقافته عامل داعم لبعض الظواهر الإيجابية أو السلبية، التي لها أثر في إصدار الأحكام بلا تثبت وترو، ما يضعف تقبل الطرف الآخر، ويبين أن بعضهم يعمد إلى الصمت للحد من تفاقم مشكلة ما، لكن قد تعتليها أحكام لعدم الدفاع عن نفسه، فمثلا يعتبر الآخرون السكوت إقرارا من الشخص المقصود بالأحكام المطلقة عليه.
ويعترف الثلاثيني لؤي مصطفى أنه من الأشخاص المتسرعين في الحكم على الناس لمجرد لرؤيتهم لأول مرة، فمثلا حكم على أعز أصدقائه حاليا بأنه من الأشخاص الذين يريدون فرض آرائهم في العمل بمجرد أنه أبدى رأيه في الاجتماع الأول، مما دفعه لمقاطعته بل وتحريض الزملاء عليه. ومع مرور الأيام فهم مصطفى أن هذا الشخص يريد مصلحته ومصلحة الزملاء ككل وليس “فرض الرأي” الذي نسب إليه، خصوصا عندما استخدم أساليب عدة أقنعته وزملاءه أنه شخص متعاون يعمل بروح الفريق ليس كما خيل لهم.
أما عنود خليل (28 عاما) فحكمت على جميع الرجال بـ”السوء” من خلال تجربتها الزوجية التي انتهت بالطلاق، فهذه الصدمة المؤلمة في حياتها سببت لها الكثير من الأسى، وأثرت في حياتها، مما أفقدها “الثقة بالرجال كافة”، وفق قولها.
وتتابع عنود “أنصح جميع الفتيات بأن لا يؤمن للرجال، وأجزم أن العزوبية أفضل، ولا أتردد بنصح صديقاتي عندما يتقدم إليهن أحد العرسان بدراسة الموضوع من كافة الجوانب، وأن الملاك الظاهر قبل الزفاف يختلف كليا بعده”!.
ويشارك الاختصاصي الاجتماعي د. حسين خزاعي أبو زناد الرأي قائلا “إن التسرع في الحكم يفقدنا كثيرا من الأصدقاء المخلصين، إذ لن يقبلوا منا أن نجعلهم في مرمى سوء الظن والحكم الواهم غير المبني على الحقائق، بل من الممكن أن يؤثر التسرع في الأحكام في العلاقات الاجتماعية داخل أفراد المجتمع الواحد”.
ويضيف، أنه من المهم الممارسة الدائمة والصادقة للحوار الهادئ والمتزن المبني على الاحترام المتبادل والتفهم وحسن الظن والثقة، وهذا له أثر كبير في الوصول إلى إيجاد حل وعدم إساءة الظن، ويحقق نتيجة مرضية لكلا الطرفين.
ويبين أن هناك كثيرا من الخلافات التي تقع بين أخوين وزوجين وصديقين كان سببها التسرع في الحكم أو عدم التثبت، وكم من صلة قطعت وجماعة فرقت لعدم التعامل مع الخبر المنقول وفق الأساليب الصحيحة في التثبت. ويشدد على ضرورة التأني وعدم التسرع بالفعل حتى يتم التأكد، ذاكراً أن الندم يأتي مع الاستعجال والتسرع في ردود الفعل، ما يضطر معه المرء للاعتذار.

التعليق