منار الرشواني

رواد نظرية المؤامرة

تم نشره في الجمعة 18 نيسان / أبريل 2014. 11:00 مـساءً

بالنظر إلى تاريخ وقوع الحادثة، وحجم الدماء التي سالت منذئذ على يد الإخوة وليس المحتلين، فقد كان من المفترض أن لا تسترعي الانتباه والتوقف نتائج التحقيق في اتهامات بقيام القوات البريطانية بقتل عشرين عراقياً في العام 2004. لكن ربما يكون ما أدى إلى العكس تماماً، هو لجوء الحكومة البريطانية، يوم الأربعاء الماضي، إلى وصف تلك "المزاعم" بأنها "مؤامرة". وهو التعبير الذي يستخدم أساساً من قبل أنظمة عربية للبطش بشعوبها، رغم أنها أنظمة لم تُنجز إلا كل أسباب الثورة عليها: الاستبداد والفساد، وبسببهما ضياع السيادة والكرامة الوطنيتين، وصولاً إلى استجلاب الاحتلال في بعض الحالات.
وإذا كان من فائدة لتصريح الحكومة البريطانية هذا، بغض النظر عن المقصود به بشكل دقيق، فهو التذكير بأن استخدام "نظرية المؤامرة" ليس مرتبطاً بنظام بعينه، كما أن تصديقها ليس حكراً على شعب دون سواه. ففي مقابل التمسك بـ"نظرية المؤامرة" من قبل نظام الأسد، وهو المشهود له، أباً وابنا، بالاستبداد والفساد، وصون هدوء جبهة الجولان المحتل لأربعة عقود؛ يبرز نموذج رجب طيب أردوغان، الذي تولى السلطة ديمقراطياً، وحقق لشعبه إنجازات غير مسبوقة على امتداد تاريخ الدولة التركية الحديثة. فمنذ أحداث "ميدان تقسيم" في أيار (مايو) 2013، إلى الخلاف المندلع الآن مع حليف الأمس زعيم حركة "الخدمة" فتح الله غولن، تمسك أردوغان أيضاً بـ"نظرية المؤامرة"، لا ضده فقط، بل وضد الدولة التركية بسبب دورها الصاعد إقليمياً وعالمياً.
في محاولة استجلاء العوامل المسؤولة عن جعل "المؤامرة" المزعومة أو المختلقة أو حتى المفترضة في أحسن الأحوال، حقيقة مسلماً بها (يجب النظر إلى الأمور من خلالها، والتصرف على أساسها)، واستناداً إلى دراسة أستاذ القانون في جامعتي هارفارد وشيكاغو كاس سنستاين (Cass Sunstein)، المنشورة في العام 2008 بعنوان "نظريات المؤامرة"، فإنه يمكن استخلاص ضرورة التمييز بين مستويين من الفاعلين على صعيد هذه "النظرية"، هما: "رواد" نظرية المؤامرة (Conspiracy Entrepreneurs)، الذين ينشئون هذه النظرية أو يضمنون انتشارها وبقاءها حية؛ ومستقبلو أو مستهلكو "المؤامرة" المزعومة أو المفترضة، من عامة المواطنين. وعدا عما يبدو جلياً من تباين في الدور بين هاتين الفئتين (منشئ ومستهلك)، تبدو أهمية هذا التمييز في استجلاء خصائص كل منهما، وهما المختلفتان حكماً، نفوذاً وتعليمياً وثقافة، وصولاً إلى الأهداف النهائية المتوخاة من قبلهما.
ورغم أن سنستاين، لا يستبعد ان يكون "رواد المؤامرة" مخلصين أو حسني النية، إلا أن الأغلب أن يكون هؤلاء "الرواد" على النقيض من ذلك تماماً، بمعنى ممارسة التضليل على المواطنين، من خلال إشاعة نظرية المؤامرة، بهدف تحقيق منافع مباشرة أو غير مباشرة. وهو ما يظهر واضحاً تماماً في الحالة العربية، في زمن "الربيع العربي".
وعلى سبيل المثال فقط، فإن مؤيدي استمرار الاستبداد والفساد في سورية، لأن مكافحتهما هي المؤامرة الغربية ذاتها! هؤلاء ذاتهم يطالبون بالإصلاحات في بلدانهم التي يصورونها كأبشع معاقل استبداد، رغم أن بعضها يعد فعلياً "سويسرا العرب" مقارنة بسورية الأسد. أوضح من ذلك، فإن الدول والأطراف المتهمة بالمشاركة في المؤامرة على سورية والعرب ككل، هي ذاتها التي دعمت ومولت الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي في مصر، وهو ما لقي شديد تأييد وحفاوة من "رواد المؤامرة" العرب أنفسهم.
رغم ذلك، يظل الثابت أن نظرية المؤامرة لا يمكن لها الاستمرار، أو حتى الظهور أساساً، لولا إمكانية قبولها شعبياً. وليكون السؤال الأهم هنا: لماذا يقبل ويتبنى مواطنون "نظرية المؤامرة"؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعم المؤامرات لم ولن تتوقف على ديار العرب إلا بارادة الله والشعوب؟ (فوزي)

    السبت 19 نيسان / أبريل 2014.
    يحق للشعوب العربية تصديق نظرية المؤامرة لسبب جوهري واحد لا جدال فيه وهو أن كل الانظمة الحاكمة لم تلد من أرحام الشعوب، بل جاءات للحكم فرضا وغصبا وكأنها "قدر رباني". فهل هناك نظام حكم واحد جاء بانتخاب شعبي مثلا؟ ألم يتم فرض الحكام على الشعوب "بمؤامرات سرية وعلنية" دبرها وخططها الاسياد من الامريكان و/أوالروس و/أو الاوروبيين؟ أمام هذه الحقائق، فهل المطلوب من الشعوب أن تنسى "نظرية المؤامرة"، أم أن المنطق والحق يستوجب إبقاء نظرية المؤامرة ماثلة أمام الناس إلى أن يكتب الله أمرا من عنده لتخليص الشعوب من هؤلاء العملاء الجاثمين على صدورهم؟؟؟!!!