الكسواني يرد على مقال: "الأطباء" مع "المسؤولية الطبية" لكن ضمن قانون النقابة لا بصورة مستقلة

تم نشره في الأربعاء 23 نيسان / أبريل 2014. 11:01 مـساءً

سعادة رئيسة تحرير جريدة الغد المحترمة
أرجو نشر رد على مقال الأستاذ محمد سويدان حول المسؤولية الطبية.
بداية، لا يوجد عاقل يقف ضد المسؤولية الطبية المتوازنة، والتي لا تقتل الإبداع، وتحافظ على حقوق المريض، والذي من أجله وجد الطب والطبيب وحقوق الطبيب كصاحب أرقى مهنة إنسانية على وجه الأرض.
نعلم جميعا أن الطبيب والدواء هما وسيلة للشفاء، والشافي أولا وأخيرا، من قبل ومن بعد، هو الله، أي أن الطبيب لا يمكن أن يكون ضامنا لشفاء المريض، بل المطلوب منه بذل الجهد والعناية اللازمة، وحسب أصول الفن والصنعة، وأن يقدم للمريض العلاج أو الإجراء الطبي حسب المعايير العلمية المعتمدة، هذا هو المطلوب من الطبيب فقط.
نعلم أن الطب في تطور متسارع، وأن الأجهزة الحديثة والمعلومات الطبية المتواترة تجعل الطبيب مرغما على مواكبة العلم، وبالتالي أصبح من واجب المؤسسة التي يعمل بها أن تؤمن له وسائل الاستمرار بالتعليم الطبي المستمر، إضافة لجهده الذاتي. ونعلم مدى المعاناة المادية لأطباء وزارة الصحة، وأحيانا البطالة المقنعة لدى بعض أطباء القطاع الخاص، رغم الكفاءة العالية والتي لا علاقة لها بالرزق والدخل.
ولا بد وقبل المحاسبة أن يتم تهيئة الظروف المناسبة، والبيئة المطلوبة للعمل الطبي، فهل يجوز ان يطلب من الطبيب مثلا معاينة 80 مريضا في عيادة اختصاص العظام، أو 60 إلى 70 مريضا في عيادة الغدد الصم والسكري؟ وأن أطلب من الطبيب اتباع المعايير العلمية المثالية، فالمريض الجديد (لأول مرة) يحتاج من 30-60 دقيقة، للوقوف على معاناته ومن ثم طلب الفحوصات اللازمة ووضع التشخيص الأولي، ثم النهائي، وتأكيد ذلك التشخيص من خلال التشخيص التفريقي، أي يجب أن يعاين اختصاصي العظام يوميا، مثلا، ما لا يزيد عن 20 مريضا، ليأخذ المريض حقه بالكامل ويحمي الطبيب نفسه حتى لا يحدث الخطأ.
هل الطبيب ضامن للتعويض في حال المضاعفة الطبية المعروفة والمرصودة والمسجلة علميا، أو التطور الطبيعي للمرض، بالطبع لا يجوز أن يكون ضامنا، ولكنه يجب أن يكون ضامنا في حال الخطأ، نتيجة الجهل والإهمال، وعدم تقدير الموقف السليم، رغم وجود بيئة صحية وظروف مناسبة للعمل.
وهل يجوز أن يبتز الطبيب أو أن يصبح سلعة مناسبة لبعض شركات التأمين نتيجة لعمله الفني؟ فالتأمين على الأخطاء الطبية مكلف جدا، وفي حال إقرار قانون مسؤولية طبية، دون إيجاد سقف للتعويض، وجهة ضامنة له، اي ان كل مؤسسة تضمن الاطباء العاملين فيها وتؤمنهم وبالطريقة المناسبة، فلن يكون ذلك منطقيا، ونحن نعي ما يجري في الولايات المتحدة، حيث هناك تجربة سيئة تحدث عنها الرئيس الأميركي قبل سنوات، فهل يجوز اقتباس تجربة فشلت في بلدها وقتلت الإبداع ورفعت التكلفة العلاجية بشكل لا يطاق، هل ستقبل الدولة رفع الكلفة العلاجية ليتمكن الطبيب من تسديد أقساط التأمين للتعويض، وكذلك من يقبل بإجراء العمليات عالية الخطورة في مثل هكذا ظروف؟ 
وأقول لصديقي سويدان: أنت تعرف الظروف الموجودة في بلدنا، وتعرف ماذا يوفر للطبيب في الرويشد مثلا، وماذا يوفر للطبيب في المراكز النائية من ظروف معيشية وطبية، ثم يقال أخطأ الطبيب. لا يوجد خطأ طبي مقصود بداية، ولكن توجد أخطاء طبية ضمن الحدود المتعارف عليها، ناتجة عن حادث طبي أو تسرع أو عدم وجود خبرة كافية، ومن حق المريض أن يحصل على الرعاية المطلوبة، كما من حق الطبيب الحصول على الحماية اللازمة. من يحمي الطبيب عندما يتم إيقافه، ثم يثبت عدم وجود خطأ؟ ومن يعوضه عن ذلك؟ 
ولا بد من التأكيد أنه وبعد عشرات السنين من عضويتي بمجلس نقابة الاطباء، فإن المحاباة مرفوضة مطلقا، بل الخوف أن يجرم الطبيب زميله، وأن يحاسبه، ويطلب منه أعلى المعايير، رغم عدم توفر البيئة المناسبة. وللعلم فالأطباء يتشددون مع بعضهم أكثر من تشدد القضاء مع الأطباء في أغلب الأحيان. وعندما نقول المسؤولية الطبية يجب أن تكون في قانون النقابة، فلأننا نتحدث عن الطبيب، وحارس المهنة وصاحب الولاية عليها هي النقابة، وبالتالي فهي مؤتمنة على المواطن والطبيب معا، ولا اخال الحكومة أكثر خوفا وحرصا على المواطن من النقابة.
أليست النقابة جزءا من هذا الوطن، وأفراد الشعب هم إخوة وآباء وأبناء وأخوات وأمهات وأقارب لهذا الطبيب أو ذاك؟ لذلك تحاول النقابة ان تكون المسؤولية الطبية في اطار قانونها لا من خلال تقليد ما يجري هنا وهناك. فمثلا يتم الحديث عن لجنة مركزية من مختلف المؤسسات لدراسة الشكاوى وتحديد الخطأ الطبي من خلال لجان فنية طبية، أليس ممكنا أن تكون اللجنة في اطار قانون النقابة؟
إذا كان لا بد من ضامن للخطأ الطبي، أليس من الأولى ان تضمن وزارة الصحة الأطباء العاملين فيها؟ وكذلك الخدمات الطبية الملكية والجامعات الاردنية؟ والنقابة تقوم بعمل صندوق اختياري تكاملي لهذه الغاية؟
حضرت معظم الندوات واللقاءات الرسمية وغير الرسمية لإخراج "قانون المسؤولية"، وتم التوافق على مسودة مشروع قانون، وبعد ذلك جاء أحد الوزراء ونسف التوافق، لأنه لا يتفق وهواه ووجهة نظره، وكان الأجدر أن يتم وضع ما اتفق عليه في قانون النقابة، او قوانين النقابات كل على حدة، وتحت فصل المسؤولية الطبية بقانون نقابة الاطباء يحمي الطبيب، ويمنع توقيفه قبل ثبوت الخطأ بقرار قطعي من القضاء، او يحمي المواطن ويعطيه حقوقه الكاملة، ولا يقارن بين حق الطبيب وحق المواطن، بل هناك علاقة وطيدة وواضحة. وأقول فليأتوا بالمشروع، الذي تم التوافق عليه، وأن يوضع في باب المسؤولية الطبية في قانون النقابة، ولينتهي الامر غدا، وكذلك لا بد من اعداد دليل متكامل للإجراءات الطبية، يكون مرجعيا لتحديد الخطأ من عدمه.
نحن مع المسؤولية الطبية، وليس ضدها، بل نقاتل من اجلها، لحماية الطبيب والمواطن في نفس الوقت.

رئيس لجنة ضبط المهنة والشكاوى في نقابة الأطباء
 د.باسم الكسواني

التعليق