الارتياح الذي توفره الحرب الباردة

تم نشره في الخميس 24 نيسان / أبريل 2014. 11:01 مـساءً
  • جنود على جسر في أوكرانيا - (أرشيفية)

أيان بورما*

نيويورك ــ لم يسبق من قبل، إلا في أحوال نادرة، أن بلغت العلاقات بين الغرب وروسيا مستوياتها الحالية من السوء، في أعقاب تدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في أوكرانيا وقراره ضم شبه جزيرة القرم. لكن الرئيس باراك أوباما كان حريصاً على طمأنة العالم إلى أن الأحداث الحالية ليست بداية حرب باردة جديدة.
وبالرغم من هذا، يعقد الصقور بين الليبراليين والمحافظين المتشددين في الولايات المتحدة مقارنة بين زعامة أوباما وبين الرؤساء الذين يفترض أنهم كانوا أكثر صرامة وحزماً منه، مثل دوايت ايزنهاور ورونالد ريغان. وكأنهم لا يتذكرون أن أيزنهاور لم يحرك ساكناً لمنع الدبابات السوفياتية من سحق الانتفاضة المجرية في العام 1956، أو أن ريغان لم يُظهِر أي رغبة في دعم نشطاء حركة "التضامن" عندما ثارت ضد النظام الشيوعي في بولندا.
لقد ساعدت الحرب الباردة على أكثر من نحو في جعل الأمور أكثر يسراً وسهولة بالنسبة لرؤساء الولايات المتحدة. آنذاك، كان العالم يحتوي على قوتين عظميين فقط -لم تكن الصين من بين القوى العظمى حقاً حتى وقت قريب- وكانت مجالات اهتمام هاتين القوتين محددة بوضوح. وكانت الإيديولوجية الحاكمة في الاتحاد السوفياتي على نفس القدر من الوضوح: النسخة الستالينية من الشيوعية.
كانت الستالينية، مثلها في ذلك كمثل الماوية في الصين، شديدة المحافظة، وكانت تهدف في الأساس إلى توطيد قوة النظام في الداخل وهيمنته على البلدان التابعة في الخارج. وكان العالم الرأسمالي يمثل العدو الإيديولوجي، ولكن الأعداء المباشرين تمثلوا في "التروتسكيين"، و"التعديليين"، وغير ذلك من "العناصر الرجعية" داخل المدار السوفياتي. وفي أوقات الأزمات، كان يجري تحشيد القومية الروسية من المدرسة القديمة وتعبئتها لخدمة المصالح السوفياتية.
كانت الصين تشكل حالة مماثلة أيضاً. لم يكن ماو تسي تونج إمبريالياً توسعيا -وهو لم يكلف نفسه قط عناء الطلب إلى البريطانيين إعادة هونغ كونغ إلى الصين. وكان ماو حريصاً على تركيز النزعة القومية الصينية بالكامل تقريباً على عالم الشيوعية الجديد الشجاع.
لكن كل شيء تغير بعد وفاة ماو وانهيار الاتحاد السوفياتي. فقد اختفت الشيوعية باعتبارها إيديولوجية حاكمة في روسيا، كما أصبحت مخففة للغاية في الصين الرأسمالية حتى اقتصر وجودها على ما يزيد قليلاً على زخارفها الرمزية -فضلاً عن الحزب اللينيني واحتكار السلطة. وقد خلف ذلك فراغاً في كلا البلدين، فكانت الحكومة في روسيا تكافح من أجل تبرير النظام الاستبدادي المنتخب، وكانت دكتاتورية الحزب الواحد في الصين تسعى إلى إيجاد مصدر جديد للشرعية. ثم فجأة وبدون مقدمات، أعيدت التقاليد العتيقة التي فقدت مصداقيتها إلى الحياة. حتى أن بوتن يتحدث عن مقولات فلاسفة أصبحوا نصف منسيين، في محاولة لإظهار التفوق الروحي الذي تتمتع به روسيا الوطنية. والآن، يتحدث المسؤولون الصينيون عن الكونفوشيوسية باعتبارها الأساس لهوية سياسية جديدة.
الواقع أن كل هذا غير ناضج في أحسن الأحوال. ذلك أن أغلب الصينيين، بما في ذلك المسؤولين الحكوميين، لا يعرفون إلا أقل القليل عن كلاسيكيات الكونفوشيوسية. وهم يميلون إلى انتقاء المقولات التي تدعم تعزيزهم لقبضتهم على السلطة، مشددين على مثل هذه الفضائل "التقليدية" مثل إطاعة السلطة، ومتجاهلين أي ذِكر لحقيقة مفادها أن الفكر الكونفوشيوسي أكَّد على الحق في التمرد على الحاكم الظالم.
على الجهة الأخرى، يشكل الفلاسفة المفضلون لدى بوتن خليطاً من القوميين الغامضين الذين تصوروا روسيا باعتبارها مجتمعاً روحانياً قائماً على العقيدة الأرثوذكسية، ولكن أفكارهم كانت متباينة بطرق أخرى، وكانوا أكثر إبهاماً من أن يتمكنوا من تقديم إيديولوجية متماسكة. ولم تكن أفكارهم متماشية دوماً مع أفكار بوتن؛ فهو ينظر إلى انهيار الاتحاد السوفياتي باعتباره كارثة كبرى؛ لكنه يقوم على الرغم من ذلك بالاقتباس من إيفان إيلين بحرية، وهو الذي كان قد أصبح معارضاً شرساً للنظام السوفييتي، فنفاه لينين إلى أوروبا الغربية في العام 1922.
لعل بوتن يعتقد حقاً أن روسيا معقل روحاني ضد انحطاط العالم الغربي الذي أفسدته المادية والمثلية الجنسية. ومن المحتمل أيضاً أن يكون حكام الصين الحاليين الذين اكتسبت عائلاتهم الثراء من خلال المحاباة السياسية، تلامذة مخلصين للفلسفة الكونفوشيوسية. ولكن الحكومات في روسيا والصين توجهها نزعة أكثر تعقيداً وأشد صعوبة في التعامل معها: القومية القائمة على الضغينة والسُخط.
لقد حل محل العقيدة الماوية في الصين ما يسمى "التربية الوطنية"، والتي تتجلى في الكتب المدرسية ومتاحف التاريخ ومجموعة متنوعة من الآثار. وينشأ الصينيون مع فكرة ليست خاطئة تماماً، مفادها أن الصين خضعت لمذلة عميقة على يد الأجانب لأكثر من مائة عام، وخاصة خلال حروب الأفيون في القرن التاسع عشر والغزوات اليابانية الوحشية. وعلى هذا، تكون الصين القوية وحدها، في ظل زعامة الحزب الشيوعي الصيني الحازمة، قادرة على حماية شعبها من السلب والنهب في المستقبل. في روسيا أيضاً، يتلاعب بوتن بفكرة المظالم القديمة والشعور التقليدي بأن الغرب الشرير عازم على تقويض الوحدة الروسية وتدمير روحها.
وكما هو حال زعماء الصين، يتهم بوتن الغرب بالتآمر على روسيا.
لعلنا نستطيع أن نسمي هذا كله جنون الشك والاضطهاد، ولكنه ليس واقعاً منافياً للعقل تماماً.
ففي نهاية المطاف، تحيط بكل من روسيا والصين دول حليفة للولايات المتحدة. ولم يكن الغرب حساساً تجاه المخاوف الأمنية الروسية بكل تأكيد عندما دفع بقوات حلف شمال الأطلسي إلى الحدود الروسية.
المشكلة في النزعة القومية التي تستند إلى الضغينة والسخط هي أنها تعرقل الجهود الدبلوماسية، والتي تقوم على الأخذ والعطاء. ويُنظَر إلى الانتقادات باعتبارها دليلاً على العداء أو عدم الاحترام. وتوصم التحركات غير المرحب بها من قِبَل الأميركيين أو اليابانيين رسمياً بأنها "إهانات للشعب".
بطبيعة الحال، لا يُقصَد بالكثير من هذا سوى الاستهلاك المحلي، وأن يكون وسيلة لحشد الرأي العام خلف الحكام المستبدين. ولكن القومية الناقمة التي يمارسها هؤلاء المستبدون الأقوياء تجعل التعامل معهم أسهل من التعامل مع أسلافهم الشيوعيين الأكثر وحشية، ولو أن التنبؤ بأفعالهم كان أكثر سهولة. لأن المواجهة العسكرية مغامرة بالغة الخطورة، ربما تظل الصيغة الأفضل هي تلك التي صاغها الدبلوماسي الأميركي جورج كينان في العام 1974. إذا لم يكن من الممكن التعامل مع الصين وروسيا باعتبارهما من الأصدقاء، فمن الممكن إدارة الصراع من خلال الاعتراف بمصالحهما المختلفة وتحري اليقظة الدائمة والحفاظ على قوة مؤسساتنا الديمقراطية. وإذا كنا نقف الآن -مع الاعتذار لأوباما- على أعتاب حرب باردة جديدة، فليكن ذلك. فقد كان المقصد من الحرب الباردة بالكامل هو ضمان منع اندلاع حرب ساخنة.
*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد. وهو مؤلف عدة كتب، منها "جريمة قتل في أمستردام: موت ثيو فان غوخ وحدود التسامح."
*خاص بـ _، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت."

التعليق