كيف نتجاوز محنة تخلي أقرب الناس عنا لحظة الانكسار؟

تم نشره في الأحد 27 نيسان / أبريل 2014. 11:00 مـساءً
  • التخلي عن الصديق بشكل مفاجئ يتركه في حالة من عدم الاستقرار النفسي- (MCT)

ربى الرياحي

عمان- نتفاجأ أحيانا بغياب بعض القلوب التي كنا نجزم بصدق مشاعرها، وبأن محبتها لنا حقيقية لا تتغير بتغير الظروف والأحوال، وذلك بعد أن اتخذت قرارها بالانسحاب خارج أسوار حياتنا، بدون أن تخبرنا بالسبب الحقيقي الذي دفعها إلى ذلك، تاركة الباب مفتوحا أمامنا لوضع الأسباب والاحتمالات المناسبة وكأننا نحن المسؤولون عن تفسير هذا الغياب الذي لم يدخل ضمن توقعاتنا، ربما لأننا اعتدنا على وجودهم بجانبنا، ومعرفتهم لأدق التفاصيل التي تخصنا ومشاركتهم لنا باستمرار بدون أن يشعروا ولو للحظة بالملل.
اختيارهم المجحف لقرار التخلي عنا بشكل مفاجئ وبدون سابق إنذار، قد يقودنا في أغلب الأحيان إلى حالة من عدم الاستقرار، نتيجة لاضطراب مشاعرنا التي تتراوح بين الضياع والصدمة والخذلان، والسبب هو أن تلك القلوب التي أحببناها وأفردنا لها مساحة كبيرة من ذكرياتنا لم تتوان أبدا عن التفنن بتحطيمنا وتهميشنا وتمزيق أرواحنا بالأوجاع. حينها فقط، نبدأ في البحث عن إجابات منطقية، قادرة على إزالة الغموض الذي أسدل ستاره على أسئلة كثيرة، تضعنا في حيرة من أمرنا، وتدخلنا في دوامة من الظنون والتأويلات، أسئلة ممزوجة بالألم، تحاول جاهدة تبرير تلك القسوة التي ألمت بقلوبهم المحبة لنا، لتتحول بعد ذلك إلى قلوب جرداء خالية من الحب والمودة لأقرب الناس إليهم.
تعلقنا الشديد بهم، ورغبتنا الكبيرة ببقائهم في حياتنا، هو الذي يمنعنا من رؤية الأشياء كما هي رغم وضوحها، فنحن في قرارة أنفسنا نرفض تصديق تلك الفكرة القائمة على أن تخليهم عنا، كان بسبب لحظات الانكسار التي مررنا بها، والتي أفقدتنا شيئا من قوتنا. لذلك نقرر وبدون تفكير استبعاد هذه الفكرة المؤلمة والقاسية من قائمة احتمالاتنا حتى لا يزداد الجرح اتساعا، ونضطر لإعطاء آلامنا فرصة التآمر على ذاكرتنا الراغبة في نسيانهم كليا، ونسيان كل تلك اللحظات التي عشناها معهم، سواء كانت جميلة أو مؤلمة، فغيابهم غير المبرر عن أدق تفاصيل حياتنا، منحنا الحق في نسيانهم للأبد وحتمية تخطيهم، لأننا بهذه الحالة سيصبح بإمكاننا أن نبدأ من جديد حياة أخرى مختلفة، لا يعرفون طبيعتها وأسرارها، فهم قد اختاروا بملء إرادتهم أن يصبحوا غرباء عنها، لكن مع ذلك كله نفشل في نسيانهم وتجاهل وجودهم رغم بعدهم وجفائهم.
هناك أشياء بسيطة قد تشعل فينا الحنين لرؤيتهم، وبدون أن نشعر نبدأ باستحضار كل اللحظات والمواقف والأماكن التي جمعتنا بهم، وكانت بالنسبة لنا ذكرى جميلة، تبعث في أرواحنا الدفء والحب والسعادة، لم نكن نعلم إن كل هذه الذكريات الجميلة، ستصبح في يوم من الأيام ذكريات مرة، تقض مضاجعنا وتحرمنا من العيش بسلام، عندها فقط يتضاعف إحساسنا بالوحدة، لدرجة أننا نسمح لمشاعر الغضب باجتياح قلوبنا المتوجعة، لتنثر فيها كما هائلا من الأسئلة القاسية ثم تغادر وكلها أمل أن تعثر على إجابات شافية تهدئ من ثورانها، وتبرر ذلك الانسحاب المفاجئ. 
بعد ذلك علينا أن نأخذ وقتا من التفكير لنعرف جيدا كيف نتجاوز كل الآلام والأوجاع التي تركوها خلفهم لننهض من قسوة الصدمة أقوياء، وكأن شيئا لم يكن، قد يبدو ذلك في البداية أمرا صعبا، لكننا حتما سنستطيع إكمال طريقنا بدونهم، لأن الحياة ستستمر، ولن تتوقف عند خسارتنا لبعض الأشخاص، الذين اتخذوا قرار الرحيل عنا بحرية مطلقة وبدون ضغوط.
عودتنا إلى ما كنا عليه في السابق واستعادتنا لكل الأشياء التي ضاعت منا في وقت من الأوقات تعطي أولئك الأشخاص الذين تخلوا عنا في لحظات الشدة، فرصة التفكير في دخول حياتنا من جديد، معتقدين أننا سنكون في انتظارهم وأن مكانهم الذي تركوه باختيارهم بقي خاليا لم يشغله أحد غيرهم، لكن الواقع يصدمهم بحقيقة الأمر، وهي أن حياتنا أصبحت أفضل بانسحابهم، وأن هناك أناسا يستحقون محبتنا واهتمامنا أكثر منهم، فهم على الأقل يشبهون وفاءنا إلى حد كبير، صحيح لم نكن ننتبه لهم من قبل، لكن رقة قلوبهم ودفء مشاعرهم وصدق محبتهم، كل تلك الأسباب مجتمعة جعلتنا ننجذب إليهم بدون تردد، فنحن بحاجة ماسة إلى قلوب صادقة محبة غير خاضعة للتقلبات والأهواء، لنبرأ من محبتهم للأبد، تلك المحبة التي لم تمنحنا سوى الانكسار والوجع.

life@alghad.jo

@alghadnews

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابداع (Da)

    الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    رائعة وتصف ما في القلب بدقة
  • »مقاله معبره وصادقه (نادر ناصر بشارات)

    الاثنين 28 نيسان / أبريل 2014.
    الرائع في مقالتك وجميع ما تكتبين يا أخت ربى أنك تتعمقي في الموضوع من جوانب عديده ولا تتركي القارىء على قارعة الطريق يفكر بالحل , بل تقدمي النتيجه والحل وغالباً يكون الحل مقبولاً جداً . مقالاتك كلها رائعه يا أخت ربى وصدقيني أني أنتظر يوم الإثنين من كل اسبوع لأقرأ جديدك وأبحر به وأستمتع وأستفيد , بالتوفيق والنجاح دائماً وإلى الأمام .