د.أحمد جميل عزم

روسيا "التخريب" ضد الأميركيين

تم نشره في الأربعاء 30 نيسان / أبريل 2014. 11:01 مـساءً

منذ ما قبل أزمة شبه جزيرة "القرم"، وهناك من يبحث عن احتمال صعود روسيا قوة منافسة لواشنطن. وعلى سبيل المثال، خصصت مجلة السياسة الدولية، الصادرة عن مؤسسة الأهرام في مصر، عددها لشهر كانون الثاني (يناير) الماضي، لملف عنوانه "القطب العائد: الدور الروسي في سياق إقليمي جديد".
ليست روسيا قوة عظمى، ولا حتى كبرى. ولكن يجب فهمها في إطار أنّ النظام الدولي "غير قطبي"، وأنّ القوى الإقليمية الكبرى، وحتى الدول و"قوى غير دول" أقل قوة، تمتلك قدرة "التخريب" و"المشاغبة" و"الاستنزاف" للقوة الأميركية.
في عدد دورية مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، "فورين أفيرز"، لشهري أيار (مايو) وحزيران (يونيو) 2014، مقالات تدافع عن احتمال ظهور واقع تنافس جيوسياسي، يغير واقع العلاقات الدولية؛ حيث تطلع الصين للمياه الساحلية، واليابان تمضي في سياسات مستقلة (بعيداً عن اعتمادها التاريخي على الولايات المتحدة)، وروسيا تتحدى في القرم، وإيران تحاول استخدام تحالفها مع حزب الله اللبناني وسورية. ويرى وولتر رسل ميد، في مقاله "عودة الجغرافيا السياسية.. انتقام القوى التنقيحية"، أنّ هذه الدول مجتمعة، وغيرها، تريد مراجعة وتنقيح شكل النظام الدولي، وإنهاء التفرد الأميركي في قيادة العالم.
أما جي. جون إكنبري، فسخر في مقاله "وهم الجيوسياسة: القوى المستمرة للنظام الليبرالي"، من الفكرة، ومن الذين يتوقعون أنّ هناك تحالفا دوليا ضد الولايات المتحدة، قوامه "الدول غير الليبرالية"، وهي روسيا والصين وإيران. واكنبري محق في تحليله بأنّ هذه الدول غير متحالفة، ولا تشكل جبهة بأي معنى ضد الولايات المتحدة؛ وبين روسيا والصين خلافات أكثر مما لديها مع الولايات المتحدة، كما أنّ بين الصين والولايات المتحدة مصالح متبادلة إلى حد أنّ الأمن القومي لكل واحدة منهما يهم الأمن القومي للثانية.
وربما يكون وصف إكنبري دقيقا وهو يقول: "إنّ روسيا والصين ليستا قوتي تغيير بمعنى الكلمة، بقدر ما هما قوة تخريب (للنظام الدولي بقيادته الأميركية) بدوام جزئي".
بحسب المقال، فإنّ للولايات المتحدة تحالفا وشراكة عسكرية مع ستين دولة حول العالم، أمّا الصين فلها حليف واحد هو كوريا الشمالية. وروسيا لديها ثمانية حلفاء رسميين. وهذا رده على مقولة وجود واقع "جيوسياسي" جديد. وطبعاً، يمكن إضافة العديد من النقاط التي تثبت أنّ الحديث عن نظام دولي جديد بالمطلق أمر محض خيال. إكنبري ذاته يشير إلى مسألة أنّه لا يوجد تحد أو رغبة في تغيير أسس النظام الاقتصادي العالمي الليبرالي، والصين وروسيا نفسهما تسعيان للانخراط والاستفادة من هذا النظام. كما أن موازين القوة متباينة جدا، وإذا كان التباين في القوة العسكرية جليا مع الصين (التي لا تهتم ولا تنتشر عسكريا خارج محيطها)، فإنّ التباين الاقتصادي قائم بين روسيا والولايات المتحدة؛ فإجمالي الناتج القومي الروسي، كما يشير مقال في مجلة "فوربس" العام الماضي، هو الآن تقريبا ما كان عليه الناتج الأميركي قبل 50 عاما، فيما يبلغ حجم الناتج الأميركي نحو ثمانية أضعاف الروسي.
مشكلة غالبية التحليلات هي استمرار هيمنة عقلية النظام القطبي على التفكير، والحديث عن قطب واحد أو تعددية أقطاب.
نحن أمام عالم غير قطبي، للولايات المتحدة نفوذ كبير فيه. ومن يتحدثون عن صعود دول إقليمية تتحدى واشنطن، وتخرب التفوق الأميركي، يتجاهلون أنّ صعود دول مثل الصين وروسيا وإيران يؤدي إلى قيام دول في أقاليمها باستدعاء وطلب الدعم من واشنطن.
الثابت أنّه لا يوجد مشهد عالمي متناغم متصل ببعض. فمثلا، بموازاة توتر العلاقة الروسية، تتحسن العلاقات الإيرانية الأميركية. والثابت أنّ فكرة الأقطاب غير موجودة حقا.
وحتى الابتهاج بموقف روسيا في الشأنين الإيراني والسوري، ينسى أنّ واشنطن لديها حسابات معينة تدفع لإفساح المجال، وربما استخدام موسكو؛ وأنّه مثلا في مناطق أخرى ذات حيوية بالنسبة للأميركيين، مثل دول الخليج العربية النفطية، لن يسمح للصين وروسيا بلعب أدوار شبيهة بأي حال.
في المقابل، تحتاج الولايات المتحدة التحسب لفقدان متكرر مستمر لقطع من نفوذها، ولسيناريو تتزامن فيه الأزمات في مناطق مختلفة، حتى لو لم تكن متصلة ببعضها، ما يؤدي إلى استنزاف أكبر لها، ويزيد من اتجاهها للانعزال والانكماش.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دعاية لخدمة مصالح أمريكا (د. عاصم الشهابي)

    الخميس 1 أيار / مايو 2014.
    تعليقا على ما جاء في صحيفة الاهرام الدولية حول قوة روسيا عالميا، أعتقد أن الدراسة غير دقيقة ، وتهدف الى تخويف العرب بأن أمريكا لا تزال هي الدولة المسيطرة على مصائر الدول والشعوب، وعليهم أن لا يفكروا بأن روسيا تستطيع مساعدة العرب بحل بعض مشاكلهم. والحقيقة التي يعرفها أهل الأختصاص، بأن روسيا تملك أحدث ترسانة من مختلف الأسلحة التقلدية والنووية. وثانيا، روسيا أكبر مصدر للطاقة بشكل غازن وخاصة للسوق الأوروبية، وثالثا، تعتبر روسيا، ثاني أكبر منتج للحبوب في العالم، ورابعا، العلاقات الإستراتيجية بين روسيا والصين قوية ومتلازمة دائما مع الموقف المشترك للبلدين في معظم القضايا العالمية، ومنها الموقف تجاه سورسا ولحد ما أوكرانيا. ويظهر أن الشعوب العربية مستهدفة حاليا بسياسة غسل الدماغ الدعائية التي كانت منتشرة في منتصف القرن الماضي قبل إنحلال الأتحاد السوفيتي.
  • »موسكو وواشنطن ما بين الخراب والتخريب. (ابو معاذ الصرفنداوي)

    الخميس 1 أيار / مايو 2014.
    لا يختلف دور موسكو عن دور واشنطن في ابتكار كثير من وسائل الخراب والتخريب ، وإنشاء كثير من بؤر الصراع والتنافس في العالم ، وبمخططات صهيونية دولية تعمل في اكبر عواصم العالم ابتداء من موسكو وواشنطن ولندن وباريس وغيرها من عواصم العالم. ومن يعود للحرب العالمية الاولى والثانية وما بعدها ، وحتى كتابة هذه السطور ، يلاحظ استمرار الخراب والتخريب من قبل كل من موسكو وواشنطن. ومن يعود لنتائج الحروب العالمية الاولى والثانية ، يلاحظ نجاح كل من موسكو وواشنطن في ابعاد وإقصاء كل من المانيا الهتلرية ، والإمبراطورية اليابانية عن حلبة الصراع الدولي ، وعن مسرح الاحداث العالمية من خلال الاستسلام ، وإحلال كل من موسكو وواشنطن كبديل عن تلك القوى التي كانت من القوى العظمى في يوم من الايام. وهذا يعني ان التاريخ قد لا يشفع لكل من موسكو وواشنطن من دفع الثمن في نهاية المطاف ، وتصبح حالها كحال غيرها ، وحال ممن سبقها من قبل. فظهور دول نووية امثال كل من الصين والهند والباكستان وكوريا والعدو الصهيوني ودول اخرى لم يعلن عنها ، بالإضافة الى ظهور ايران على الخط وبنفس الطريق ، والذي قد يرشح الى ظهور دول او امبراطوريات عظمى في المستقبل ، او مع مرور الوقت نتيجة للكثافة السكانية ، وازدياد عدد السكان التي تعاني منها بعض تلك الدول مثل الصين والباكستان والهند وكوريا ، من اجل البحث عن مصادر للمواد الخام ، ولإشباع شعوبها ، او لتسويق منتجاتها ، وذلك من خلال تحقيق اطماع توسعية نتيجة لامتلاكها اسلحة رعب نووية ، وكما حدث مع كل من المانيا واليابان وبريطانيا وفرنسا من قبل ، وفي بداية القرن الماضي ، وكما يحدث الأن من قبل كل من موسكو وواشنطن ، من اجل الاستمرار في حماية مصالحها في الشرق الاوسط ، والشرق الاقصى ، وكذلك في اوروبا. في حين نجد بعض انظمة الحكم العربية تلهث وتتصارع على الاستمرار في اغتصاب كرسي الحكم والسلطة الى ما لا نهاية ، ولا تبحث عن تطوير مستقبل شعوبها ، من خلال الاسراف والإنفاق وتبذير مئات المليارات في تدخلات دولية وإقليمية ، لا ناقة لها فيها ولا جمل. تلك الانظمة التي تفتح اسواقها للاستيراد بدلا من ان تكون دول مصدرة وليست مستوردة ، وبالرغم من امتلاك تلك الانظمة ثروات وكنوز وخيرات شعوب طائلة ، مما قد يؤهلها ان تكون دول قوية ومتطورة ومصدرة ، وان تحقق كثير من طموحاتها ، وان يكون لها ثقل ووزن دولي وإقليمي ، مثل كل من كوريا والهند والباكستان والعدو الصهيوني وإيران مستقبلا ، لا ان تبقى دول استهلاكية ومستوردة ، والتي فرضت على نفسها ومن نفسها مزيد من العزلة والتقوقع ، واختيار استمرار البقاء في منظومة دول وشعوب العالم الثالث الى ما لانهاية.