نعم للانسحاب من طرف واحد

تم نشره في الخميس 8 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً

هآرتس

آري شبيط

8/5/2014

كان الانسحاب من طرف واحد من جنوب لبنان مختلفا جدا عن الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة. فقد خرجنا من لبنان (في صيف 2000) على نحو متسرع متعجل، بموافقة الأمم المتحدة، أما غزة فخرجنا منها (في 2005) بصورة منظمة مرتبة دون حصول على تأييد المجتمع الدولي. وقد أنهينا الاحتلال الشمالي لأن الحكومة أدركت أن الجمهور لم يعد مستعدا لدفع ثمن الدماء الذي يصاحب السيطرة على الشريط الأمني، أما الاحتلال الجنوبي فأنهيناه لأن الحكومة أدركت أن العالم لم يعد مستعدا لقبول استيطان اليهود في قطاع غزة.
أفضى الانسحاب الأول الى التخلي عن حلفائنا المسيحيين والشيعة، واضطرنا الانسحاب الثاني الى أن نقسو على أبناء شعبنا المستوطنين، وقد كان التحديان مختلفين وكانت المشكلات مختلفة. فكما كان ايهود باراك واريئيل شارون مختلفين بعضهما عن بعض كان الانسحابان اللذان بادرا اليهما ونفذاهما كذلك ايضا.
لكنهما كانا متشابهين ايضا، ففي الحالين نبع ذلك الإجراء القاسي من إدراك أن وضع دولة اسرائيل يائس تقريبا، وعليها أن تغير موضعتها في وقت قصير بعمل جذري. ونبع الإجراء المركب في الحالين من إدراك أنه لا يوجد شريك عربي في السلام وأن استمرار الاحتلال يأكلنا من الداخلي ويفنينا من الخارج. فقد كان الانفصال عن لبنان وعن غزة قائمين على تقدير أن اسرائيل بتقليص المساحة التي تحكمها ستصبح أكثر شرعية وأقوى.
لم يكن باراك وشارون فتيي أزهار. ولم ينشد كلاهما في جوقي جيش الخلاص. فقد كان رئيس الوزراء العاشر ورئيس الوزراء الحادي عشر قائدين عسكريين صارمين ينفيان الأوهام عن نفسيهما. لكن في وقت ما خلص المقاتل من الوحدة 101 والمقاتل من دورية هيئة القيادة العامة أيضا الى استنتاج أن السيطرة على شعب آخر والسيطرة على أرض معادية قد استنفدتا نفسيهما. وينبغي لاستمرار الصهيونية وتأمين مستقبل الوطن القومي اليهودي أن تمنح دولة اسرائيل حدودا قانونية تستطيع حماية نفسها منها.
انتهى انسحاب باراك وانسحاب شارون أيضا الى أسى عميق. ففي لبنان كان حزب الله هو المنتصر الأكبر، وفي غزة كانت حماس هي المنتصرة الكبرى. وفي الشمال أفضى الانسحاب الى إنشاء قاعدة صواريخ شيعية، وأفضى في الجنوب الى إنشاء قاعدة صواريخ للإخوان المسلمين.
وفي الحالين تحقق سيناريوها الشر. فلم تعد لبنان لتصبح سويسرا الشرق الأوسط، ولم تتحول غزة الى سنغافورة الشرق الأوسط. وساءت سمعة الفعل من طرف واحد سريعا. وصُنفت محاولتا باراك وشارون الشجاعتان لرسم حدود على أنهما فشل.
لكن نظرة دقيقة تُظهر صورة مختلفة. فقد أفضى الانسحاب في الشمال في الحقيقة الى حرب هناك لكنها انتهت الى تهدئة (تُف، تُف، تُف). وأفضى الانسحاب في الجنوب في الحقيقة الى معركة في الجنوب لكنها أحدثت ردعا (تُك، تُك، تُك). وحينما أثمر الانسحابان من طرف واحد ايضا سيناريوهين قاسيين، لم تكن النتيجة كارثة، فقد تبين أننا نستطيع مواجهة الصواريخ لكن لا رد عندنا على إضاعة الأكثرية الاسرائيلية، وثبت أننا نستطيع ضرب حزب الله وحماس لكن فقدان الشرعية الدولية تُعرض وجودنا القومي للخطر.
ولهذا فإن الانسحاب من طرف واحد برغم كل محدوديته ما يزال هو أخف الأضرار بين جميع الإمكانات المطروحة للبحث.
ويجب أن ينفصل الإسرائيليون والفلسطينيون حتى من غير اتفاق موقع عليه مع عدم وجود سلام اسرائيلي فلسطيني، لكن ينبغي في هذه المرة العمل بصورة أذكى مما حدث في المرتين السابقتين ومن الواجب التعلم من أخطاء الماضي (وقد كانت) ومن الواجب انتهاز فرص الحاضر (وهي موجودة) لضمان المستقبل. إن أهم مهمة تواجه اسرائيل في سنتها الـ67 هي أن تبادر الى إجراء من طرف واحد طويل ومحكم ومنسق وتدريجي وخلاق يفضي الى السلام أيضا بعد زمن.

التعليق