محمد برهومة

ما مدى جدية "تمرد غزة"؟

تم نشره في الجمعة 24 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً

عقدت جماعة "تمرد غزة" يوم الأحد الماضي، مؤتمرها الأول في القاهرة، سعياً "لإسقاط حكم حركة "حماس" في قطاع غزة"، كما تقول. وطالبت الجماعة سكان غزة بالنزول إلى الشوارع في احتجاجات واسعة ضد "حماس".
ليس هذا هو الظهور الأول لـ"تمرد غزة"؛ فقد تشكلت من مجموعة من الشباب الفلسطيني في نيسان (إبريل) الماضي، على غرار "تمرد مصر" التي ساعدت في إسقاط الرئيس محمد مرسي. وبحلول آب (أغسطس) الماضي، تحركت "تمرد غزة" للتعبير عن مطالبها التي تصبّ في المحصلة في إسقاط حكم "حماس" في غزة، عبر العصيان المدني، كما يشير إلى ذلك شعارها.
السؤال المهم هو: إلى أي حدّ تشكّل "تمرد غزة" تحديا حقيقيا لحركة "حماس"؟ هناك من يذهب إلى عدم الاستخفاف بمقدرة هذه المجموعة في التأثير على مستقبل "حماس"؛ لكن هناك من لا يأخذ هذه الجماعة على محمل الجدّ. ولكل طرف أسبابه ومسوغاته.
يقال إن "حماس" تتعامل مع "تمرد غزة" بجدية في السرّ، برغم تقليلها من أهمية الحركة في العلن. وقد نقلت "حماس" المسؤولية الكاملة عن حفظ الاستقرار في القطاع من جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة "حماس"، إلى "كتائب عزالدين القسّام". كما حذر رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية، في 21 آب (أغسطس) الماضي، المجموعات الشبابية في غزة من سلوك حملة "تمرد"، التي قال عنها إنها "لغة يجب ألا تستخدم فيما بيننا". وثمة تقارير تشير إلى أن قيادات في حركة "فتح" تشجّع وتدعم تحرك "تمرد غزة"، على رأسها عزام الأحمد واللواء ماجد فرج ومحمد دحلان.
"تمرد غزة"، وفق من لا يأخذونها على محمل الجد، تعاني نقاط ضعف جوهرية، تجعلها لا تمتلك الكفاءة والمقدرة الكافية على تحريك الشارع الغزاوي أو حشده في وجه "حماس". فهي غير موجودة بشكل منظم وفعال في الداخل، ومعظم الناشطين فيها في الخارج، وخاصة في مصر. وقد أشار تحليل سابق لـ"بي. بي. سي" إلى أن "تمرد غزة" لا تملك زخما كافيا لإحداث تغيير في القطاع، وأنها لم تنجح حتى الآن في اجتذاب شخصيات معروفة إليها. ولعل تراجع الحركة عن دعوتها إلى تظاهرات كانت مقررة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، خير دليل على خلل في القدرة على الحشد والتأطير وتحريك الشارع وجذب الأنصار. وينبغي ألا ننسى أن لدى "حماس" جناحا عسكريا قويا، وجهازا أمنيا كبيرا ذا خبرة واسعة، ولا يبدو أن "تمرد غزة" تتوافر حتى الآن على مقومات أن تكون ندا فعليا ومقنعا، لاسيما أن دعم بعض قيادات "فتح" لجماعة "تمرد غزة" لا يعني أن للجماعة نفوذا بين صفوف "فتح" أو بين أنصارها، ما يؤكد أنها تحتاج إلى سنين من العمل لتحقيق هدفها في ظل موازين القوى على الأرض.
وبرغم أهمية الاستدراكات آنفة الذكر، فإن ما يجعل مؤتمر "تمرد غزة" الأخير يستدعي قليلا من التوقف، أنّ ثمة واقعا جديدا قد ينشأ على حدود غزة في ظل انتشار الجيش المصري في مناطق جغرافية في سيناء لم يكن مسموحا له بالانتشار فيها سابقا، وفق معاهدة كامب ديفيد، خاصة في وسط سيناء وشرقها. وإذا أضيف إلى ذلك إغلاق مئات الأنفاق بين غزة وسيناء، وخسارة "حماس" الفادحة من سقوط حكم "الإخوان" في مصر، وتصنيف الحكم الجديد في مصر "حماس" كمهدد للأمن القومي المصري... كل ذلك قد يؤشر، في غياب نجاحات سياسية ملموسة لـ"حماس"، إلى واقع جيو-سياسي جديد، من شأنه الضغط على "حماس" وإضعاف قبضتها على غزة، في ظل أوضاع معيشية خانقة، وانسداد في أفق المصالحة الوطنية، وارتباك في صيغة إعادة العلاقات مع "حزب الله" وإيران.

التعليق