محمد أبو رمان

هل عندك شك؟!

تم نشره في الجمعة 10 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً

في ذروة "المسخرة" المصرية الجارية، أعلن تجمع "بأمر الشعب" تكليف وزير الدفاع المصري عبدالفتاح السيسي، بالنزول إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة. وهذا ترويج آخر من "شبح جديد" في المشهد المصري، يضاف إلى الدور المخجل البدائي للإعلام المصري، الذي فقد أغلبه المعايير الأخلاقية والمهنية، على رأي الإعلامي المشهور باسم يوسف: "أختك مهنيّة ماتت"!
الحلقة الجديدة تتمثّل اليوم في الاغتيال المعنوي لثورة "25 يناير" (2011) نفسها، وإدانتها سياسياً وإعلامياً، والانتقام من الشباب الذين قادوا هذه الثورة. وإذا كان الزميل ياسر أبوهلالة قد كتب أول من أمس عن حالة وائل غنيم، فإنّ مقالاً مهماً وخطيراً للكاتب طارق أبو العنين، بعنوان "الصندوق الأسود للثورة المصرية"، نُشر أمس في صحيفة الحياة اللندنية (!) -وعلامة التعجّب هذه لأنّ سقف المقال وتوجهه مغاير تماماً لهذه الصحيفة السعودية- يتحدث فيه عن هذه المرحلة الجديدة التي بدأت بنشر مكالمات هؤلاء الشباب خلال الثورة، تتحدث عن اقتحام المقرات الأمنية!
وكما يقول أبو العنين، فإن "الدلالة التي يمكن استنتاجها من إذاعة تلك المكالمات وما يستهدفه ذلك الفعل من تشكيك في ثورة 25 يناير هي تحول المكون العسكري/ الأمني المتحالف مع فلول نظام مبارك". ويوصّف الحالة الراهنة بأنّ "نشطاء ثورة 25 يناير باتوا بين مطرقة التخوين وسندان الأخونة، شأنهم في ذلك شأن أصحاب الصوت الديمقراطي الخافت والمعزول في مصر الآن".
في المحصّلة، الصورة لمن يؤمن بـ"الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة" أصبحت واضحة ساطعة. فالقصة لا علاقة لها بالإخوان وغير الإخوان، إنّما هي "ثورة مضادة"، وحكم عسكري أسوأ من حكم مبارك، يقوم على مبادئ فاشية، و"فلسفة مكارثية"!
إذن، ثمة عملية "فرز" واضحة للمثقفين والسياسيين والإعلاميين باتت ضرورية؛ بين من يؤمن حقّاً بالديمقراطية ويمتلك استقلالية ونزاهة ومصداقية، وبين من انجرّ، لأسباب مختلفة، مع التيار الجارف الراهن، وتواطأ مع السلطة وماكينتها الثقيلة، إمّا صمتاً أو تزميراً وتطبيلاً. وهو ما كان واضحاً تماماً في المشهد المصري، عندما نتحدث عن شخصيات سياسية وإعلامية وأدباء سقطوا تماماً في الاختبار، وأصبحوا جزءاً من هذه الماكينة، وعن اتجاه آخر تماسك وصمد، أو تراجع بعدما اكتشف "الفخ". والأمثلة كثيرة ومتاحة أمامكم!
بعد ذلك، نحن، في المجال الأوسع، أي العالم العربي، مدينون باعترافين أو اعتذارين اثنين رئيسين: الأول، من النخبة المثقفة والسياسيين الأردنيين، من الليبراليين والرفاق والمستقلين، الذين يحسبون أنفسهم على الخندق الإصلاحي-الديمقراطي، بأنّ يعترفوا بأنّهم ارتكبوا خطأً كبيراً بتأييد الانقلاب المصري، والصمت المخجل على الجرائم التي ارتكبها العسكر بحق المدنيين والأبرياء والمعتصمين. وما يزال حتى اليوم يُنكّل بطلبة الجامعات الذين استلموا المبادرة في حماية الثورة من هذا المسار المفضوح!
هؤلاء الأصدقاء أشبعونا لطماً ودموعاً ونقداً لجماعة الإخوان المسلمين، لتبرير موقفهم الضعيف في تأييد الانقلاب. لكنهم اليوم يتوارون ويصمتون ويختبئون، عندما يرون ما يحدث، ليس جميعهم بالطبع!
والاعتراف أو الاعتذار الثاني هو من الإخوان المسلمين (وأعرف أنّ الشيخ زياد أبو غنيمة عندما يقرأ هذه الفقرة سيشعر بغضب شديد، لكن ليتحمّل الاختلاف في وجهات النظر)، بأنّهم أخطأوا في قراءة المرحلة الانتقالية وتقدير طبيعتها، بتغليب الاعتبارات الأيديولوجية والتنظيمية على منطق الشراكة الوطنية، لحماية الثورة والوقوف في وجه المركز الأمني البيروقراطي والثورة المضادة؛ ما أعطى المبررات لتلك القوى، أو سهّل مهمّتها، لتحقيق الأجندة المحلية والإقليمية المعادية للثورات الديمقراطية العربية بأسرها!
مثل هذين الاعتذارين والاعترافين ضروريين ومهمين لفتح صفحة جديدة، وتحديد الأخطاء ومعالجتها، وتصفية النفوس وإزالة الهواجس والظنون، والعودة إلى الأجندة الصحيحة المطلوبة للثورة الديمقراطية العربية.

[email protected]

rummanـ[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »[email protected] (محمود الحياري)

    الجمعة 10 كانون الثاني / يناير 2014.
    نشكر الكاتب والسياسي الدكتور ابورمان محمد على اضافتة القيمة ودعوتة الصريحة والواضحة للعودة الي الاجندة العربية الديمقراطية الصحيحة للولوج الي الديمقراطية المدنية الحديثة وبالتالي تحقيق التنمية الشاملة في كافة مناحي الحياة الا انة وقي ظل الظرةف الراهنة والتخلف السائد والتراجع المستمر وحالة الركود الاقتصادي والبطالة والفقر والجوع وتردي معيشة المواطن فان العودة الي الاجندة التي اشار اليها الكاتب المحترم تستوجب الاعتراف بالشراكة الوطنية اولا وقبول الرأي والرأي الاخر ومن ثم الانطلاق والتقدم الي الامام.والشكر موصول للغد الغراء لافساح المجال لنا للمشاركةوالتفاعل عبر فضائها الرقمي الحر.