كفى بحثا عن النماذج

تم نشره في الخميس 26 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً

منذ انتهاء حقبة الاستعمار قبل عشرات السنين، بدأت الدول المستقلة البحث عن نماذج تنموية تتبعها سعيا للوصول إلى مستوى تنمية قريب أو شبيه بما وصلت إليه الدول المتقدمة. وكما بات معروفا وأثبتت التجربة، فقد تبنت تلك الدول إما النموذج الرأسمالي أو النموذج الاشتراكي كخيار استراتيجي للتنمية، ما أدى لاحقا إلى انقسام العالم إلى معسكرين، كانت الدول النامية أداة أو ضحية للصراع بينهما.
لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية التابعة له، تبين أن ما تم تبنيه من هذه النماذج هو الشكل وليس المضمون، ما أدى إلى دخول أغلب دول العالم الثالث في أشكال مختلفة من الصراع. وأصبح جليا أن هذه التجارب قد فشلت، في معظمها، فشلا ذريعا. وبذلك، تكون فكرة تبني نماذج تجارب في مناطق أخرى، قد أصبحت أقل شعبية ورواجاً.
لكن في الواقع، فإن فكرة تبني "النماذج" لم تمُت تماماً، لا بل على العكس؛ إذ إن كثيرا من الدول، بمساعدة أو بسبب بعض المؤسسات الدولية، قد عادت إلى فكرة استيراد النماذج، وإن على مستويات أقل شمولية؛ كالسياسات الاقتصادية أو التعليمية أو الصحية.
صحيح أننا نستطيع الاستفادة كثيرا من نماذج الشعوب والثقافات الأخرى، لكن ما هو غير صحيح أن نستمر في التفكير في تطبيق "نماذج" نجحت في دول أخرى. وبالطبع، فإن فكرة عدم الفائدة من النماذج ليست من منظور ثقافي أو لأنها نماذج غير ناجحة، وإنما المنطلق علمي وموضوعي.
بداية، فإن النماذج الموجودة عالمياً، سواء كانت في مجال الديمقراطية أو إدارة الحكومات أو في التعليم أو غيرها، وإن كانت ناجحة، فإنها لا تخلو من العيوب. وبرغم أن هناك وعيا بهذه العيوب في الدول التي أنتجتها، إلا أن لدى هذه الأخيرة الآلية لتصويب ذلك، وهو ما ليس موجودا أو متاحا لدينا.
المسألة الثانية المهمة هي أن هذه التجارب أو النماذج جاءت في ظروف خاصة بتلك الدول، ومنتجة من نظامها الاجتماعي والاقتصادي؛ وإن فكرة استيرادها وتطبيقها في ظروف وضمن إمكانات مختلفة، هي فكرة ليست منطقية؛ فمن الصعب أن تنجح في بيئة أو بيئات مغايرة.
إن هذه النماذج يجب عدم النظر إليها وكأنها مسألة فنية أو تقنية، لأنه لو كان الأمر كذلك، لما كانت هناك مشكلة في تبنيها. ولكن يجب إدراك أنها جزء من تركيبة نظام متكامل، تحكمه قضايا ومصالح سياسية واقتصادية لا يمكن تكرارها في أماكن أخرى من العالم. وبالتالي، فإن فكرة تبني نموذج معين تصبح غير قابلة للتطبيق في أماكن أخرى.
أنا لا أطالب بعدم الاستفادة من التجارب العالمية، لا بل على العكس تماماً؛ فلا حاجة إلى اختراع العجلة من جديد. لكن، لا بد أن نميز بين الاستفادة من تجربة وبين استنساخها. والحلول لمشكلات المجتمع أو التنمية، هي ابتكارات اجتماعية لا تقل أهمية عن الابتكارات التكنولوجية. ولذلك، يجب أن نثق بأنفسنا وقدراتنا لاختراع الحلول المناسبة للمشكلات والتحديات التي تواجهنا.
الدروس المستفادة من تجارب التنمية العالمية، تقودنا إلى استنتاج أنه يجب علينا ابتكار نموذجنا بأنفسنا، من وحي تاريخنا وثقافتنا وإمكاناتنا. ولكن ابتكار النماذج له شروط أو متطلبات، إن توفرت، ستكون كفيلة بتمكين الشعوب والدول من إيجاد حلول لمشكلاتها. ومن أهم هذه الشروط، توافر منظومة تسمح بأعلى قدر من المشاركة في صنع القرار؛ وإدارة تحقق أكبر قدر من اللامركزية؛ والاستثمار المكثف والمركّز في التعليم؛ والقضاء على أشكال التمييز كافة في المجتمع، وخاصة بين الجنسين.
هذه الصفات لم تكن غائبة عن الإدارة في الأردن بالكامل. وعندما توفرت هذه الشروط أو أحدها في مرحلة معينة، كانت النتائج مبهرة، وخاصة إذا ما أخذنا على سبيل المثال الاستثمار في التعليم، والذي أدى إلى إطلاق نهضة تنموية كبيرة. وفي المقابل، فإن تراجع الحكومات عن الاستثمار في التعليم، انعكس سلباً على جوانب الحياة كافة في الأردن. وهذا دليل على أننا بحاجة إلى استلهام تجارب الآخرين، وليس استنساخها. فهل نستطيع إيجاد نموذجنا الخاص بنا، للخروج من مشاكلنا؟

التعليق