جميل النمري

كيف خرجنا من العاصفة الثلجية؟

تم نشره في الاثنين 16 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً

لكل واحد قصته. هناك من قضى أجمل أوقاته مع هذه الإجازة الإجبارية الطويلة. وأنا أنتمي لهذه الفئة. فالكهرباء لم تنقطع في أي لحظة، والتدفئة شغالة، والسولار والغاز كانا كافيين، ولم ينقص علينا شيء. وخرجنا ساعة فقط لصنع رجل الثلج والتقاط بعض الصور، والعودة ثانية إلى الداخل.
لأول مرة منذ أربع سنوات، أترك ذقني بلا حلاقة لثلاثة أيام متتالية، وأمكث كل هذا الوقت المديد مع العائلة بسلام وراحة؛ فلا مواعيد، ولا اجتماعات، ولا واجبات، ولا عزاءات، ولا شيء سوى التمطي ومراقبة الندف الرائع للثلج من النافذة، ومشاهدة التلفزيون الذي لم ينقطع أبدا بفعل الدش الصغير الذي لا يثبت عليه الثلج. وكذلك تقليب القنوات أو اختيار فيلم للمشاهدة بناء على توافق عائلي، تم التوصل إليه بمفاوضات معقدة، أو التحول إلى الإنترنت، ومتابعة "فيسبوك" وما جادت بها قرائح الأردنيين من نكات وتعليقات ساخرة، أو الدردشة وتبادل الأخبار والمعلومات، وأيضا الصور عبر "واتس آب". وفي الأثناء، استهلاك كل أنواع السوائل الساخنة على التوالي؛ القهوة ثم الشاي ثم الميرمية ثم القرفة ثم السحلب بجوز الهند. وعلى التوالي أيضا، صحون التسالي والترمس والحمص والفول. وكان هناك متسع أيضا لكتابة بعض الأفكار والمشاريع. ولأول مرة منذ بدء النيابة، أتلقى هذا العدد المحدود من الواسطات؛ إذ لم يرن الهاتف إلا قليلا، وبمعدل لا يزيد على مكالمة أو اثنتين في الساعة.
الأمر لم يكن كذلك لآخرين. ولا أقول في قرى ومناطق عزلها الثلج وانقطعت عنها الكهرباء ونقص فيها الوقود والمواد التموينية، بل على بعد بضعة شوارع من بيتي. إذ يكفي أن تكون شجرة قد مالت على سلك كهرباء، ليتحول الوضع إلى مصيبة هناك. ويمكن أن تتعطل التدفئة، وينفد الوقود والغاز، وينتهي شحن الهواتف الخلوية. وهناك من تعطلت سياراتهم في الشوارع، وعائلات بأسرها قضت ساعات طويلة بعد تعطل حركة السير في شوارع رئيسة وعلى طريق المطار.
وبينما كنت أكتب تعليقا يشيد بكفاءة الأجهزة وجهود الدفاع المدني والأمن العام والدرك والجيش والأشغال، وكل المسؤولين وكل الرجال وكل الجهات التي كانت تبذل جهودا وتضحيات هائلة في تلك الساعات الصعبة، كان صديق يتصل بي مزمجرا؛ يتحدث عن التقصير والفشل رغم التحضيرات المدعاة لمواجهة العاصفة الثلجية. ويصب جام غضبه على التلفزيون الذي يُجمّل الصورة ولا يقول الحقيقة. وعلمت أن الكهرباء مقطوعة عنده، ولم تثمر عشرات الاتصالات لوصول أحد إلى مسكنه.
هكذا، نحن أمام عدة روايات للحقيقة. فمن المؤكد أن لدى رجال الدفاع المدني والأجهزة الأخرى روايتهم بشأن الجهود الهائلة التي بُذلت ضمن حدود الإمكانات المتوافرة من الآليات، وخصوصا المجنزرة منها التي يجب أن تغطي كل مساحة البلاد التي ضربتها العاصفة؛ إذ من المؤكد أنها لم تستطع الوصول إلى كل بيت وزاوية. وكانت هناك معيقات للوصول إلى كل عمود كهرباء أو "كيبل" سقطت عليه شجرة، لإصلاحه في ظروف مستحيلة. كما يستطيعون الحديث عن سيارات المواطنين الذين خرجوا رغم كل التحذيرات لتتعطل سياراتهم وسط الطرق، وتقع حوادث انزلاق وتصادم أغلقت الطرق دون آليات الدفاع المدني في العديد من المناطق.
تحدثت في مطلع المقال عن واحدة من أكثر الأوقات راحة ومتعة أتاحتها، على غير توقع، هذه العاصفة الثلجية غير المسبوقة. وهي نفسها التي أحالت أوقات أناس آخرين إلى معاناة فظيعة، وفي بعض الحالات إلى مأساة، من قبيل حالة وفاة طفلة اختناقا بالغاز، كما تابعناها على قناة "رؤيا". ولحسن الحظ، فإن مآس كبرى لم تقع. والحمد لله على السلامة للجميع.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعليق على مقاله ثلجة اليكسا حسب ما سموها (بنت عروس الشمال)

    الثلاثاء 17 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    اولا اوجــه كل الشكر للنشامى الأردنيين الذين ما قصرو بواجبهم الوطني إزاء ابناء هذا الوطن الغالي ثانيا اشارك رأي سعادة النائب النمري إنها إجازه اجباريه مرت على بعض منهم كسواد الليل وانا منهم وكبياض الثلج على منهم وكعبء كبير على الأردن لكن الحمد الله مرت بسلام وآمان وشكرا
  • »اين تعليقاتي يا (موفق)

    الاثنين 16 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    اين الراي الاخر
  • »سبب انقطاع الكهرباء (غيث)

    الاثنين 16 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    هو ان اسلاك الكهرباء عندنا معلقة على عواميد وهي معرضة لسقوط الاشجار عليها وقطعها بينما في المدن المتطورة تكون اسلاك الكهرباء مدفونة تحت الأرض
  • »انطباعات (محمود سلامه)

    الاثنين 16 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    اشارك السيد النمري البدايه وهو ما حصل معي، لكن حجم المعاناه ممن تضرر بطريقه او باخرى جدا مهم اخذها بعين الاعتبار من باب اللي بعد العصي مش زي اللي ماكلها، مع تقديرنا لجميع من قام بفعل ايجابي على الارض وعلى رأسها الجهات الامنيه كافه، بس الواضح للعيان ان التجاوب باسلوب الفزعات، اقتراحي تأسيس هيئه تضم كافه "كافه المعنين" + المتطوعين هدفها قياده واداره و لتعامل مع الكوارث والازمات تبدا بالهيكل والتنسيق بين المعنيين كافه وتحضير الخطط بحي تشمل كافه مساحات الوطن
  • »التلفزبون الأردني الرسمي (صبحي محمد داود - السعودية)

    الاثنين 16 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    سعادة النائب المحترم : بما أنك ذكرت قناة رؤويا بمقالتك الجميلة والمعبرة وبصفتك الرقابية لماذا لا توجه سؤال للحكومة الموقرة عن أداء التلفزيون ألأردني الرسمي وتغطيته للأحداث الميدانية خلال العاصفة الثلجية وفعاليته رغم الميزانية الضخمة والامكانيات الموفرة له سوى مرافقة المسؤولين وتغطية تحركاتهم لاهداف معروفة للجميع مع العلم بأن ميزانيته من جيب المواطن وخصوصاً ضريبة التلفزيون التي لايوجد لها مثيل في كل دول العالم .