فوضى القيم أم تغير في القيم؟

تم نشره في الخميس 5 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً

لا يخلو حديث أو لقاء من نقاش حول بعض التحولات القيمية والسلوكية التي نعيشها ونلاحظها في المجتمع الأردني، والتي تعبّر، في أغلبها، عن عدم الرضى بما آلت إليه الأمور، والشكوى من الفوضى القيمية والسلوكية التي تنم عن ضياع البوصلة في العديد من الأوجه في حياتنا الاجتماعية. صحيح أن هناك قيماً إنسانية وحضارية عامة من الصعب ربطها بنمط معيشي محدد، لكن أغلب القيم والمعايير والسلوكيات التي تحدد أطر العلاقات في المجتمع، ترتبط بنظام اقتصادي اجتماعي محدد.
فالقيم التي سادت في المجتمع الأردني في مراحل التأسيس، هي قيم النظام الأبوي بامتياز؛ سواء كان ذلك مرتبطاً بالعلاقة داخل العائلة أو العشيرة أو مع الآخر أو مع المرأة. قيم الاحترام والطاعة والتعاون والعفة والدور التقليدي للمرأة، كلها قيم أنتجها المجتمع الزراعي والرعوي، والتي تم تشكلها كنتيجة طبيعية لظروف تلك المرحلة واحتياجاتها.
لكن المجتمع الأردني تغير من مجتمع زراعي/ رعوي، إلى مجتمع "مدني" (نسبة للمدينة). وانتشر التعليم بين الناس، وأصبح النظام الاقتصادي الرأسمالي هو النمط السائد في العمل والأعمال. وبدأت القيم الجديدة تزحف على فئات المجتمع كافة. وبدأت قيم الفردية والربح والتنافس، في كثير من الأحيان، تتعارض مع القيم السائدة الموروثة من النظام الاقتصادي الاجتماعي السابق.
إن التحوّل إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي الحديث، أدى إلى تهشيم البنى الاقتصادية والاجتماعية بشكل متسارع؛ فلم يعد هناك بناء يُجمّل القيم التي أصبحت تسمى بـ"التقليدية". وفي ضوء الإصرار على القيم التقليدية في ظل نظام اقتصادي غير تقليدي، اختلط الحابل بالنابل، لا بل أكثر من ذلك؛ إذ تمت إعادة إنتاج النظام الأبوي بنسخته الحديثه، وهو ما سماه المرحوم هشام شرابي "النظام الأبوي الجديد"، والذي يفسر استمرار قيم النظام الأبوي في ظل الواقع الجديد.
الخطاب الرسمي في الإعلام، والنظام التربوي والمناهج المدرسية، ساهمت في إنتاج هذه الأبوية الجديدة؛ لأن في ذلك خدمة وفائدة لبعض الفئات الاجتماعية الجديدة المهيمنة. وكردة فعل طبيعية على هذه التحولات، ارتدت الفئات الاجتماعية المختلفة إلى النظام القيمي القديم باعتباره وسيلة دفاعية في بعض الأحيان، وتعبيراً عن مصالح الفئات الجديدة في أحيان أخرى، فلم يبق القديم كما هو، ولم نفرز نظاماً قيمياً جديداً.
نتيجة لذلك، أصبح لدينا ما يمكن تسميته بـ"الشيزوفرينيا" الاجتماعية، أو الانفصام الاجتماعي. وهذا ما يفسر حقيقة أن الشباب يميلون نحو المحافظة أكثر من الكبار، وأن المجتمع الآن أكثر محافظة من فترات سابقة. ولكن هذا في الخطاب العلني، فيما الأمر مختلف في الممارسة الفعلية. فعلى سبيل المثال، يرفض الخطاب العلني العلاقات بين الجنسين قبل الزواج، ولكنها موجودة في الممارسة الفعلية بشكل واسع، لدى كل الفئات الاجتماعية. فالذي نمارسه بالفعل نرفضه في العلن، وهذا الذي يؤدي إلى الازدواجية في المعايير والانفصام الاجتماعي، وبخاصة عندما لا يستطيع الناس الدفاع عما يؤمنون به ويمارسونه أمام المجتمع.
وعلى الرغم من أن هناك فوضى قيمية نتيجة تهدّم البنى الاقتصادية والاجتماعية التي حملت النظام القيمي الذي ساد في المجتمع الأردني لفترة طويلة، إلا أننا لم نستطع حتى الآن إنتاج نظام قيمي جديد يتماشى مع الواقع الجديد ويتقاطع مع القديم. وبدلاً من ذلك، فقد تم إنتاج نظام قيمي مشوه، يشكل خليطاً؛ فالقديم يرفض أن يزول، والجديد يأبى أن يولد.

[email protected]

التعليق