فهد الخيطان

أغرب من الخيال

تم نشره في الأربعاء 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً

لو أن مؤسسة دولية فكرت في تنظيم مسابقة لاختيار أسوأ السياسيين والإعلاميين في العالم، على غرار مسابقة أسوأ الممثلين في هوليوود، لفاز بها عن جدارة ساسة مصر وإعلاميوها.
أحاديث الساسة هناك، ووسائل الإعلام، تحفل بمضامين عجيبة حقا وغريبة؛ فحالة الاستقطاب الحاد انحدرت بالمستوى إلى درجة لا يمكن تخيلها، وأدنى بكثير من إعلام الخمسينيات الذي كان مضربا للمثل على إعلام الأكاذيب.
قبل أيام، انشغلت وسائل إعلام عربية بمقاطع فيديو لـ"مؤرخ" مصري يدعى الدكتور محمد الجوادي، يروي فيها طريقة وفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر. المؤرخ الجهبذ كشف سرا خطيرا؛ عبدالناصر مات بجرعة سم كان قد وضعها في فنجان قهوة للملك الراحل الحسين، وشربها.
المؤرخ، ومع أنه صاحب عشرات الكتب، إلا أنه بدا كما لو أنه يروي من كتاب ألف ليلة وليلة.
قصة وفاة عبدالناصر الطبيعية، معروفة بتفاصيلها المملة منذ سنوات طويلة، وموثقة في تقارير طبية. لكن الجوادي رغب، على ما يبدو، في إعادة إنتاج العمل من جديد، كما يحصل كثيرا في أعمال الدراما المصرية؛ فنسج سيناريو أغرب من الخيال، لكنه مليء بالهفوات القاتلة التي تجعل منه عملا بدائيا. فكيف، بالله عليكم، يقرر عبدالناصر، وعلى عجل، قتل الحسين بالسم، خلال اجتماع قمة عربية، فيأمر بإحضار السم له في فنجان، ثم يتناول هو بالخطأ الفنجان المسموم من أمام الملك الحسين ويشربه؟! هل تذكرون فيلم موعد على العشاء للراحلة سعاد حسني؟ واضح أن المؤرخ الجوادي قد تأثر به كثيرا!
مهازل السياسيين والإعلاميين المصريين لا تقف عند هذا الحد. إذ في سعي كل طرف من أطراف الصراع لتشويه سمعة الآخر، فإنه لا يتردد في اختلاق القصص وفبركة الأخبار، من دون أن يرف له جفن.
في نفس الفترة التي نشر فيها "فيلم الجوادي"، نشرت صحيفة الوطن المصرية، المؤيدة لوزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، تقريرا لمراسلها المزعوم في عمان، يفيد بانعقاد اجتماع -تخيلوا في عمان- لقادة الإخوان المسلمين في العالم، جرى خلاله وضع خطط عسكرية لضرب المنشآت العسكرية والمدنية في مصر، وتنفيذ سلسلة من التفجيرات في المدن المصرية!
عمان التي تساند الحكم الحالي في مصر، "تستضيف" اجتماعا لقادة الإخوان المسلمين بغرض تفجير مصر. كيف لعاقل أن يصدق مثل هذه الرواية؟
لكن، وبكل أسف، فإن هذه الرواية أقدمت على نشرها صحيفة يومية يفترض أن يتوفر عند محرريها الحد الأدنى من الاحترام للقواعد المهنية. والأسوأ من ذلك أن وسائل إعلام أردنية إلكترونية على وجه التحديد، تلقفت الخبر وتناقلته بسرعة البرق، كما تناقلت من قبل فيلم الجوادي عن مقتل عبدالناصر، ووضعته في صدارة نشراتها الإخبارية لأيام عدة، من دون أن تكلف خاطرها فحص المعلومات والتوثق من صحتها.
هذا غيض من فيض مظاهر السقوط المهني والأخلاقي. وقد توقفت عند المثالين السابقين كونهما يخصان الأردن، وحملا في طياتهما تشويها لحقائق تعنينا. ولكم أن تتخيلوا حجم الإساءات التي يكابد منها الشعب المصري بفعل إعلام وساسة كهؤلاء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الله اكبر ياعرب (ايمن عبدالرؤوف)

    الأربعاء 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    الواقع العربي المؤلم هو ان كل الدول الحاقده تجد لها عملاء يديرون المؤامرات من اجل العمل على اعادة هذه الامة الى العصور المتخلفة التي عاشتها من تناحر وخلاف وقتل وتدمير حتى تبقى راكعة لارادة المتآمرين عليها بحيث لا تقوم لها قائمة لعشرات القرون القادمة ولا نقول هنا الا حسبنا الله ونعم الوكيل والله اكبر
  • »الجوادي (حياري)

    الأربعاء 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    اعتقد ان الجوادي طبيب و مؤرخ جاد ذو معرفة واسعة و له احترامه...