د.أحمد جميل عزم

بعد هزيمة نتنياهو في الملف الإيراني

تم نشره في الثلاثاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً

شنت صحيفة "يديعوت أحرنوت" اليمينية، واسعة الانتشار بين الإسرائيليين، هجوماً حاداً على وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري، واعتبرته في افتتاحيتها، شخصا غير مرغوب فيه (Persona non grata)؛ في تعبير عن السُخط. واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اتفاق الدول الست الكبرى مع إيران بشأن ملفها النووي، خطأ تاريخياً. هل هذا بداية تحول استراتيجي؟ وما علاقة هذا بعملية التسوية الفلسطينية-الإسرائيلية؟
دخل الإسرائيليون معركة علنية ومكشوفة هدفها تعطيل التوصل لاتفاق مع إيران، ولم ينجحوا.
أوباما لا يستطيع إغضاب اللوبي الإسرائيلي تماما. وخلال نحو شهر، سيكون عليه التوصل إلى اتفاق جديد على الموازنة مع الكونغرس، بدلا من الاتفاق المؤقت الذي أعقب "إقفال الحكومة" الأميركية مؤخرا. وستكون تلك فرصة للمقايضات والمساومات. وقد اتصل أوباما مع نتنياهو لطمأنته بالفعل.
لفهم تبعات الاتفاق مع إيران، يمكن تحليل ثلاثة مستويات. أولا، مذهب أوباما في السياسة الخارجية؛ وثانيا، تصور مستقبل منطقة الشرق الأوسط؛ والثالث العلاقة مع الإسرائيليين.
يعتبر أوباما أنّ الاتفاق مع إيران أهم إنجاز دبلوماسي لإدارته. والواقع أنّ هذا الاتفاق، بعد الترتيبات مع الروس بشأن الملف السوري، يعد مؤشرا رئيسا على توجهات السياسة الأميركية الراهنة. هذه السياسة، أولا، لا تجعل لحلفائها الإقليميين كلمة حاسمة. وهو نوع من سلوك الدولة العظمى التي تقرر ما تريد في نهاية الأمر. وثانيا، الخطوة هي مؤشر على أنّ ديمقراطية وقمع ودموية الأنظمة أمر لا يعني واشنطن حاليا؛ فيمكن لرئيس مثل بشار الأسد إدارة صراعاته الداخلية كما يشاء، طالما أنه لا يتحدى واشنطن فعليا؛ ويمكن التوصل إلى تفاهمات مع طهران بشأن طموحها الإقليمي. والمؤشر الثالث على السياسة الأميركية الراهنة، هو أنّه بينما كان أوباما يتحدث لدى بداية عهده عن شراكة مهمة مع أوروبا الغربية، في اعتراف بموازين القوى الدولية الجديدة، إلا أنّ أوباما سلّم بحقيقة الصعود الروسي والصيني، وهو مستعد لتسويات معهما.
على صعيد الشرق الأوسط ودور إيران الإقليمي، نحن الآن أمام سيناريوهين: أنّ ما يحدث بداية تحالف أو تعاون مع طهران، يعيد نوعا من سياسة "الاحتواء المزدوج" في المنطقة؛ فيسمح لإيران أن تكون قطبا إقليميا يثير قلق وخوف دول الخليج العربية، التي ستكون القطب الآخر الذي يدخل سباقات تسلح ومواجهة مع طهران، فتضمن واشنطن عدم صعود حاسم لأي طرف في المنطقة. وإسرائيل تحاول لعب هذه الورقة وتأليب الدول العربية ضد جون كيري وضد هذا الاتفاق. أما السيناريو الثاني، فهو أن ما يحدث مقدمة لتفاهمات أشمل، تتضمن الطلب من إيران لا تقديم ضمانات كافية بشأن ملفها النووي، ولكن أيضاً بشأن مدى تدخلها في محيطها الإقليمي، العربي وبشأن إسرائيل. واحتمالات صفقة هنا ممكنة، تشمل مستقبل سورية، مقابل العلاقة مع حزب الله وحماس. ويمكن أن يكون مدى الدور الذي يُسمح لإيران بممارسته إقليميا موضع مساومة.
على صعيد العلاقة بين الموضوعين الإسرائيلي والإيراني، فقد دأب نتنياهو والإسرائيليون على ابتزاز واشنطن بتعقيد الملف الإيراني، مقابل تساهل أميركي في مطالبهم بشأن الاستيطان والتسوية مع الفلسطينيين. ونحن الآن أمام سيناريوهين أيضا: الأول، أنّ تطمينات كافية ستقدم لنيل رضا إسرائيل، وأنّه سيتم بالفعل استرضاؤها باستمرار التساهل في مسار التسوية مع الفلسطينيين؛ أي سيتم تعويضها عن إيران من حساب الفلسطينيين. والثاني، أنّ انقلابا كبيرا سيظهر في طبيعة إدارة هذا الملف. وبدلا من ضغط نتنياهو على الأميركيين بشأن إيران وعينُه على الملف الفلسطيني، سيضغط الأميركيون على نتنياهو، وربما يقدمون ترضية من حساب الملف الإيراني مقابل ملف التسوية. وتصريحات كيري بشأن مستقبل عملية التسوية ونقده الضمني لإسرائيل، يغلّب السيناريو الثاني. وهناك حديث في الصحافة الإسرائيلية عن أنّ كيري رفض في آخر زيارة للإسرائيليين الظهور مع نتنياهو وأن تلتقط لهما الصور في المطار، بينما كان الأخير يودعه.
كثير مما سيحدث يعتمد على كيف سيدير الإسرائيليون والفلسطينيون والعرب الملفات المختلفة؛ سواء بشأن دور إيران الإقليمي، أو بشأن الملف الفلسطيني. وربما يكون كيري الآن في طور إعداد تصوره لتسوية في الشأن الفلسطيني، سيضغط ويفاوض لفرضها، وهذا أمر يحتاج وقفة منفصلة للقراءة والتحليل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سيناريوهات جديدة (هاني سعيد)

    الثلاثاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    الملفات الساخنة الذي طرحها الكاتب في مقاله والتحليل الذي قدمه بأسلوب معمق يزيل كثيرا من الغموض الذي يخيم على المنطقة والتناقضات الكثيرة التي تحول دون تحقيق كثيرا من الاهداف المعلنة وغير المعلنة وتكشف خبايا السياسة الدولية ومطابخ العمل السياسي الذي يفتقر الكثيرين من تذوق طعمه بسهولة لأن المنطقة مقبلة على عهد جديد ربما يسمح بحلحلة الامور الذي تعقدت اكثر من اللازم بفضل الموقف الاسرائيلي المعطل لكل الحلول الجدية للمنطقة اعتقادا منهم ان هذا سيدوم الى الابد ولم ياخذوا في الاعتبار التحالفات الهادئة التي تمت سواء على المستوى الايراني او المسستوى الروسي باستثناء العرب الذين لم يقدموا جديد على خريطة الطريق على المستوى العالمي بل انشغل الجميع بأمور داخلية كانت السبب في تأخر الركب العربي عن الركب العالمي