د.باسم الطويسي

فهم إسرائيل مجددا

تم نشره في الاثنين 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 02:00 صباحاً

ماذا يحدث في إسرائيل في هذا الوقت؟ وكيف يصل التطبيع السياسي الإقليمي إلى حد التحالف المسكوت عنه؟ وكيف يتجه الكيان الذي أنشأه العلمانيون نحو المزيد من اليمينية، بصمت لا يلتفت إليه العالم؟ وهل هذه اليمينية تعبر عن قيم حقيقية للمجتمع الإسرائيلي؟ ماذا يعني صعود حزب أفيغدور ليبرمان إلى السلطة، وعودته بقوة مرة ثانية؟ ولم تحاول نخب المهاجرين الجُدد، في كل مرة، إثبات صهيونيتها أكثر من الآباء المؤسسين، بالاتجاه دوماً نحو المزيد من اليمينية، بما يعني المزيد من سياسات ضم الأرض والاستيطان؟
ثم، هل تقدّر النخب السياسية الرسمية العربية مستقبل المفاوضات التي تأتي وتتجمد كيفما يشاء الإسرائيليون؟ وإلى أي نقطة يمكن أن تصل هذه المفاوضات؟ وما هو التقدير الاستراتيجي لمستقبل الاستيطان وابتلاع الأرض، وعند أي حد يمكن أن يتوقفا؟ وما هو تقدير الموقف السياسي والاستراتيجي حول مستقبل الصراع على القدس والمسجد الأقصى، وأي شكل سوف يأخذ؟
لا توجد أي أرضية من الفهم؛ فخبرة ستة عقود من الصراع العربي-الإسرائيلي، وخبرة قرابة ثلاثة عقود من المفاوضات، تفيد أن العرب لم يفهموا إسرائيل بعد؛ كيف يفكر هذا الكيان؟ وكيف يتخذ قراراته؟ وما هي حدود التماس والافتراق بين سياساته اليومية المعلنة وبين استراتيجياته العليا؟
نماذج عديدة راهنة ذات دلالة على فجوة الفهم في التاريخ الصراعي، منها المواقف الإسرائيلية من الملف النووي الإيراني هذه الأيام، وإلى أي حد يمكن أن تُؤخذ تلك المواقف على محمل الجد؛ وكيف حولت إسرائيل، طوال عقد من الزمن، هذا الملف ليحتل مكانة القضية الفلسطينية على أجندة الاهتمام الدولي بالشرق الأوسط، حتى إن الدعاية الإسرائيلية وصلت إلى حد إيهام العالم قبل أسبوع بأن رئيس الوزراء، بنيامين نيتنياهو، يعلن تجميد أحد مشاريع الاستيطان كي لا يسرق اهتمام العالم بالملف الإيراني. كل ذلك يشير إلى أن القراءات العربية السياسية، وأحياناً الإعلامية، ما تزال قائمة على الانطباعات، وطالما وقعت في شرك الدعاية الإسرائيلية نفسها. فيما تدل أزمات أخرى على كيف تتصرف النخب العربية وهي فاقدة للحد الأدنى من التمييز بين الخطاب السياسي الإسرائيلي اليومي وما يعبر عنه من عراك سياسي داخلي، وبين منطق الاستراتيجية الإسرائيلية العليا التي هي المصدر الحقيقي للقرار والحكم.
لم يطور العرب، على مدى عقود الصراع والمفاوضات، أطرا مؤسسية قائمة على ركائز مهنية وعلمية لفهم إسرائيل (المجتمع والدولة)؛ والمقصود هو المؤسسات والمراكز البحثية المتخصصة، فبقيت المهمة موكلة للانطباعات السياسية والتقديرات الأمنية والقراءات الإعلامية. ولعل أكثر الدول المعنية بهذا المنهج مصر والأردن اللتين تربطهما اتفاقيات تسوية مع إسرائيل وهما في أمسّ الحاجة إلى مراقبة ورصد كل ما يجري هناك. إذ لاحظنا خلال مسارات التسوية السلمية كيف استطاعت إسرائيل استغلال هذا المناخ لإنشاء أكبر شبكة مراكز بحثية حول العالم العربي، منها المركز الأكاديمي الإسرائيلي الذي أسس في القاهرة العام 1982، بعد اتفاقية التسوية بين الطرفين.
يوجد في إسرائيل اليوم شبكة واسعة من المراكز والمعاهد والمؤسسات العلمية المعنية بدراسات العالم العربي، ولا تكاد جامعة إسرائيلية تخلو من مراكز أو وحدات بحثية تُعنى بالشأن العربي، أصبحت ذات سمعة وخبرة معروفة، عددها يتجاوز 15 مركزاً علمياً، أهمها معهد هاري تورمان لبحوث تطوير السلام، ومركز البحوث والمعلومات الإسرائيلي-الفلسطيني، ومركز موشيه دايان لدراسات الشرق الأوسط، ومعهد السياسة الدولية لمكافحة الإرهاب، ومركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية، ومركز جافي للدراسات الاستراتيجية. وتجد هذه المؤسسات وغيرها دعماً رسمياً ومجتمعياً واسعاً، بالإضافة إلى العديد من المراكز في عواصم صنع القرار الدولي التي لا تتورع عن إخفاء موالاتها لإسرائيل.
في المقابل، لا يوجد في العالم العربي مركز علمي واحد، بالمعنى المهني والعلمي الحقيقي، يُعنى بالدراسات الإسرائيلية. ثمة وحدات بحثية لا تتجاوز أصابع اليد، تَدّعي اهتماماً بالدراسات الإسرائيلية، وهي في الواقع لم تثبت حضورها الفعلي كما يفعل الآخرون. فالبعض منها لا تتعدى مهمته الاحتفاظ بأرشيف للصحف الإسرائيلية وبعض النشرات، وبعضها الآخر يكتفي بترجمة بعض المقالات عن مواقع الصحف على شبكة الإنترنت.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حالة مرضية (علي رواشده)

    الاثنين 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    لا احد يريد ان يفهم ، ولا احد يريد ان يقرأ ، يعرفون الحقيقية ولكن يبحثون عن من لا يذكرهم بذلك هذه حالة مرضية تصاب بها الامم