فهد الخيطان

بلد المليون

تم نشره في الخميس 31 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً

كلما "اندلع" نقاش حول أوضاعنا الاقتصادية وظروفنا الصعبة، "يرميك" أحدهم بسؤال ناري: "طيب يا أخي وين راحت الملايين؟"، ويقصد ملايين الدولارات من أموال الضرائب والمساعدات والمنح، وما شابه. وحين يتشعب الحديث بمواضيع أخرى فلا يعود هناك عنوان محدد للنقاش، وعادة ما يحصل ذلك في حواراتنا الشعبية، تتكرر مفردة المليون على ألسنة الناس بكثرة؛ "عندنا مليون مشكلة"، "مليون واحد مستعدين يشتغلوا هالشغلة، شو فكرك"، "يا رجل في مليون واحد مش لاقيين يوكلو"، "البلد فيها مليون حرامي، بس مش صاحلهم".. وهكذا "يضرب" الأردني بالمليون من دون أن يرف له جفن.
أخيرا، أصبح المليون لازمة أردنية بالفعل؛ لم تعد الجزائر وحدها تنفرد بكونها بلد المليون شهيد.
في الأرقام، لدينا من كل صنف مليون؛ هكذا تفيد الإحصاءات، وتردد الحكومات ومن خلفها الناس.
في الأردن مليون عامل وافد. صحيح أن الدوائر الرسمية تختلف في تقدير أعدادهم، لكن بعد أخذ ورد مع المسؤول الأردني، يختصر عليك الكلام بجواب علمي: "يا أخي اعتبرهم مليون".
وفي الأردن أيضا مليون لاجئ سوري وأكثر. المنظمات الدولية تعترف بنصفهم، فيما الحكومة تُصرّ على احتساب من كانوا في الأردن قبل اندلاع الثورة في سورية، لتضمن الوصول إلى رقم المليون المحبب إلى قلوب الأردنيين جميعا، ويعول أن "يحنن" قلوب الدول المانحة. في المقابل، يحتج السفير السوري في عمان على وصفهم باللاجئين، ويعتبرهم سياحا بإقامة مفتوحة طبعا. ولو أن وزارة السياحة تأخذ بهذا الوصف، لتضاعفت حسبتها من الدخل السياحي، وسجلت أرقاما قياسية لهذا العام والأعوام المقبلة. عندها، يمكن تغيير اسم "مخيم الزعتري" ليصبح "منتجع الزعتري السياحي".
في ميدان آخر يحضر المليون؛ فلدينا مليون مواطن تحت خط الفقر، تصلهم الكهرباء والمياه والخبز بأسعار مدعومة، وكذلك بدل نقدي عن إلغاء الدعم عن المحروقات، ومخصصات شهرية من صندوق المعونة الوطنية. الفقراء في هذا الشأن مساكين حقا؛ فمن يدخل تحت خط الفقر زيادة عن رقم المليون لن يُذكر أبدا، كي لا نُفسد خصوصية رقم المليون، وننتقص من مكانته.
في قطاع السيارات وعموم المركبات، نحن بلد المليون. في العاصمة وحدها هناك مليون مركبة تسير يوميا. البهجة تكون بادية على وجوه المسؤولين في أمانة عمان ودائرة السير وهم ينطقون الرقم، كما لو أنه إنجاز يُسجل في دفاترهم. مليون مركبة تزدحم بها شوارع عمان كل يوم، مرشحة للزيادة بنسبة 10 % سنويا.
ولا يقف الأمر عند المركبات؛ ففي الأردن مليون قطعة سلاح، حسب ما صرح به مسؤولون لوسائل إعلام. لا يمكن لأحد التشكيك في دقة هذا الرقم، إلا لجهة تقدير أعلى منه. فمن يُتابع أفراحنا و"طوشاتنا"، يدرك أن مخزوننا من الأسلحة يزيد على مخزون البلاد من السلع الأساسية، وأن ما لدى أصحابها من "ذخيرة" يفوق ما لدى البنك المركزي من احتياطيات العملة الصعبة.
يبقى هناك مليون واحد يُفرح القلب، هو وجود مليون شجرة زيتون في الأردن. تذكرك بأن هذا البلد ما يزال بلدا زراعيا، رغم غول التصحر والإسمنت الذي يزحف على ما تبقى من خُضرة.
كل ما ذكرناه سابقا كان محاولة للرد على سؤال الأردنيين "الحشريين": "وين راحت الملايين؟"؛ لنقول لهم: هذا هو بلد المليون.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ملايين اخرى (منى عمرو)

    الخميس 31 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    نسيت مليون جامعي و ملايين النساء المنقوصات و المسلوبات المواطنة
  • »ملايين ومليارات (هاني سعيد)

    الخميس 31 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    اصبح رقم مليون قديم جدا وحل محله المليار وللأسف اصبح ذكره مثل الفلس ايام زمان ، المليار ابو تسع اصفار اصبح صفرا في قيمته وقيمة من يمتلكه فكأنه عشر اصفار على الشمال فبعد ان كان المليون يصلح احوال شعوب بحالها اصبح المليار الآن يدمر شعب بأكمله وعلى مقدار ما كثرت المليارات على مقدار ما تم تدمير امم وشعوب وهزلت المليارات وهزل مالكوها !!!!
  • »لازم بلد الملايين والمليارات وليس المليون فقط (هلا عمي)

    الخميس 31 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    مهما كان التفسير والتأويل لرقم المليون بخصوصيته الاردنية فان الوضع الصعب لمديونية العشرين مليار لن تحل الا بمحاكمة الفاسدين وتجريدهم من الاموال التي نهبوهاولن يهدأ بال المواطن الاردني الا بتحقيق العدالة بين كافة المواطنين وبين كافة المناطق في الوطن
  • »تعليق بسيط (Belal)

    الخميس 31 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    مليون تحيه للكاتب فهد..بس عن جد وين بتروح الملايين ؟؟؟
  • »بلايين مش ملايين (بسمة الهندي)

    الأربعاء 30 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    عنجد، وين راحت البلايين أستاذ فهد!