د.باسم الطويسي

المعرفة الكسولة

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً

من دون أي تحفظات، شكلت التحولات العربية منذ العام 2011 أهم حدث في تاريخ العرب المعاصر منذ حركة التحرر من الاستعمار. ولأن هذه اللحظة التاريخية جاءت بعد مخاض طويل ومعاناة مؤلمة، ولأن هذه التحولات لم تكتمل وتحمل في كل يوم مفاجآت جديدة، فقد كنا ننتظر أن يطور المثقفون العرب خطابات معرفية قادرة على تفسير ما يحدث، واستشراف المستقبل القريب، وقبل ذلك كله قادرة على ممارسة النقد الذاتي وأن تمثّل دور جرس الإنذار.
صحيح أنها ثورات بلا فلاسفة، لكن مع مرور كل هذا الوقت، ووسط كل هذه الخسارات، فقد كانت حَرِيّة بإنتاج فلسفتها. إلا أنه لم يحدث ذلك إلى هذا الوقت، وكل ما نشهده هو معالجات يومية تفيض بالأيديولوجيات التقليدية. وبدلا من أن يساهم الفكر في تأزيم الجدل الاجتماعي والسياسي حول الخيارت الكبرى، من أجل حسمها بشكل تاريخي، نلاحظ كيف أصبح إنتاج الخطابات اليومية يؤدي وظيفة تقليدية وحيدة، هي استمرار إدارة الصراع؛ لا أكثر ولا أقل!
تحاول النخب العربية عبر إنتاجها الكلامي، إيهام المتلقي بأنها تُنتج معرفة، وقد عاشت مشهد العنف المباغت، وعاشت التحولات الكبرى على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ورضخت لآليات الهيمنة السائدة من مختلف جهات العالم. وهنا يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً حول مظاهر العجز في الردود التي قدمها الخطاب العربي، وماهية مشاكلة النص للواقع؛ منذ انهيار النظام العربي وتفسخ قيمه التقليدية في مطلع التسعينيات، إلى الاستباحة المعلنة والاحتلالات، وصولا إلى الثورات الشعبية والتحولات السياسية الراهنة. إذ نلاحظ حالة السيولة والميوعة العامة في الردود التي قدمتها النصوص العربية في الفلسفة والسياسة وأنثربولوجيا السياسة والثقافة والاجتماع، كما في الأدب؛ شعراً ومسرحاً وقصة ورواية، حيال التأزم المجتمعي الشامل الذي مرت فيه المجتمعات والكيانات العربية في هذه المرحلة، بعد أن وجدت هذه المجتمعات نفسها في مواجهة مباشرة مع الديمقراطية والتغيير.
في لحظات التأزم الكبرى؛ أي عند مفترق الطرق وأزمنة التحول والانفصال، تحدث حالات الاستقطاب الحاد بين الأفكار والمشروعات الكبرى. لكن الخطاب العربي الراهن قابل لحظة التأزم التاريخي ومفترق الطرق الحاد بخلاء تاريخي من النصوص الكبرى التي تبادر إلى إعادة صياغة السؤال المصيري عن طريق تفكيك الأزمة وفهم مسارها، واستفزاز نصوص مشاريع وأسئلة الآخرين للدخول في حالة مخاض تاريخي صعب، ينعكس في كل مجالات المعرفة والإبداع، يبدأ من إعادة نبش الأنثربولوجيا، إلى ضبط عقارب الزمن التاريخي للناس، كما للمؤسسات وصناع القرار ومهندسي الاستراتيجيات. جاءت لحظة الاستقطاب الكبرى من دون غطاء فلسفي أو فكري، ومن دون مشاريع ثقافية واضحة الملامح، وتُرك المجال أمام الإعلام المعتل ليدير الاستقطاب على أهواء السياسيين وأمزجتهم.
في تجارب التحولات الكبرى في التاريخ، يذكر الناس الفلاسفة أكثر من الساسة.
الساحات الثقافية العربية في هذا الوقت، تشهد حالة من الصمت والعزلة لدى مختلف أطراف إنتاج المعرفة وإدارة التغيير، إمعاناً في المزيد من التفتت والانقطاع. وقد عادت الأمور إلى الدوران حول إنتاج قوانين إدارة التخلف في مواجهة التغيير، كما عودة مجتمع الانغلاق والتعصب والقبلية والغيبيات والكاريزما في مواجهة أنوية التغيير ومجتمع العقل والحرية. لم تشهد هذه المرحلة عربياً نصوصا قوية تدعم تجذر أبنية مجتمع جديد، وتساند إعادة بناء الإنسان العربي معرفياً على إرادة العقل والحرية وحق الاختلاف، في حين يستمر توالي حوار النصوص المبادرة النادرة مع إرادة المجتمع المغلق؛ أي غياب حوار النصوص، ما سيؤدي حتماً إلى توالي إنتاج ذهنية التحريم والاتهامية، وإقفال الأبواب على القادم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بماذا سنذكر الثورات العربية !!!!!!!! (عايده مهاجر)

    الثلاثاء 15 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    نعم صحيح ثورات لم تنتج معرفة ولم تنشأ هي ذاتها عن معرفة، فلاسفة عصر الانوار انتجو الثورة الفرنسية والامريكية التي استطاعت ان تؤسس لمفاهيم حقوق الانسان والديمقراطية،كم كنا مملوءين بالامل إبان الثورة التونسية وظل الامل في ثورة مصر وانحرف المسار بشكل حاد فيما تلاه من أحداث وللأسف لا يبدو أن الحال قد يبشر خيرا. كما فهمت من هذا المقال وأنا اتفق معه في انه لا نملك معرفه تؤطر للحركات الاجتماعية العربية. رغم اننا نشترك مع الغرب في الظروف الدافعه للتغير من ( دكتاتورية الانظمة وتأليهها والفقر والبطاله والظلم ) لكن لا وجود لفلسفات تنويرية تقود الناس للنور
  • »ركوب الأمواج ، واغتنام الفرص. (ابراهيم الكزاعير)

    الاثنين 14 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    كل ما يحدث في المنطقة العربية لا يبشر بالخير./// وذلك ليس مجرد نوع من التشاؤم ، بل هي الحقيقة بعينها ، التي لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها./// وذلك لسبب بسيط أن هناك جهات وأطراف دولية تحاول وبكل قوة وشراسة اغتنام كثير من الفرص ، وركوب كثير من الأمواج هنا وهناك ، وذلك من خلال توظيف وتسخير جهات وأطراف إقليمية ، من اجل تحقيق مصالحها في المنطقة ، وليس من اجل تحقيق مصالح شعوب المنطقة.