"تحرير المرأة" بعد الربيع العربي

تم نشره في السبت 12 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً

كثيرون في العالم العربي يذهبون في رؤيتهم للكيفية التي يمكن من خلالها كسر حالة التخلف المتأصلة في المجتمع الأبوي العربي، مذهب المفكر العربي الكبير هشام شرابي، صاحب الكتاب الشهير "النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي"، والذي يرى فيه أن التغيير في العالم العربي مشروط بـ"تحرير المرأة قولاً وفعلاً"؛ بمعنى أن الانتقال إلى المدنية ودولة المواطنين الناهضة، لا يمكن أن يتحقق إلا ابتداءً من تصحيح مكانة المرأة وإقامة المساواة بينها وبين الرجل، باعتبار ذلك يفتح باب المساواة بين الجميع، ويقود إلى تقويض الدكتاتورية الأبوية في السلطة كما في المجتمع. هشام شرابي يؤكد ذلك، ويردد ومعه هؤلاء الكثيرون من العرب المخلصين لفكرة تجاوز التخلف: "إن الحركة النسائية هي الأكثر أهمية لأنها الأكثر ثورية من حيث طاقتها الكامنة فيها".
قد يكون ممكنا اليوم، بعد ثورات الربيع العربي التي بينت أن المجتمعات بأكملها كانت مضطهدة، قراءة خلط غير مفهوم  في هذا الرأي بين مطلب الحريات العامة والحرية الفردية داخل المنظومة الاجتماعية من جهة، ومطلب مساواة الرجل والمرأة، سياسياً واجتماعياً أيضاً، من جهة ثانية، خاصة أن القائلين به لا يقدمون تفسيراً علمياً واضحاً حول الآلية التي يكون بها "تحرير المرأة" شرطاً لا بديل له لتحرير باقي مكونات المجتمع، ما يقود إلى استنتاج أن هذا الرأي إنما يقوم على أهواء خاصة، وأشواق إلى صيغة معينة للتنظيم الاجتماعي قائمة في المجتمعات الغربية التي ربما يعتقد أصحاب ذلك الرأي أنها هي المثل الأعلى الذي يجب أن تكون عليه مجتمعات العرب، من دون اعتبار أن في الأمر شيئاً من الإسقاط غير الموضوعي الذي يهمل فوارق ثقافية لا يمكن تجاوزها بين العرب والغرب (هذه الفوارق لا تتعلق بضرورة الحرية الفردية بما فيها حرية المرأة وإنما بالأخلاق الأساسية).
ما يجب تأكيده أن قضية تحرير المرأة العربية هي مسألة مهمة وأساسية وضرورية، فحالة المرأة العربية الراهنة تمثل، من دون شك، أحد أركان تخلف المجتمعات العربية. ولهذا، فان هدم هذا التخلف يجب أن يتضمن تغيير نظرة هذه المجتمعات للمرأة، وإنجاز مساواتها مع الرجل، خاصة في مجالات المشاركة الاجتماعية والسياسية. ولا خلاف في هذا السياق مع المصرّين على شرط تحرير المرأة، وإنما الخلاف بشأن تحديد الأولوية ومكانة قضية المرأة في سياقات النهضة والقضاء على التخلف.
وأصل الخلاف أن الحرية مفقودة لدى الجميع. فعلى الصعيد الاجتماعي/ الأسري تطلب المرأة العربية الحرية والمساواة وهذا حق، لكنه كذلك مطلب الابن –الذكر- في الأسرة، وفي الهياكل الاجتماعية الأكبر. فالابن –أيضاً- لا حرية له في الاختيار والتقرير، وهو لا يعامل كفرد حر مسؤول. أما على الصعيد السياسي، فتطلب المرأة العربية المشاركة والمساواة، وهذا أيضاً حق. لكن ذلك أيضاً هو مطلب الرجل العربي المقموع والمهمّش ومنزوع الحقوق كمواطن، فالقمع موزع بالتساوي بين النساء والرجال في العالم العربي!
هكذا، فإن المرأة العربية ليست وحدها المتضررة من أبوية النظام الاجتماعي العربي، ما يعني أن "الحل"؛ أي القضاء على التخلف العربي، ليس مرتبطاً بها بالضرورة، فقد يكون أيضاً مناطاً بتحرير "الابن"، بالمعنى الاجتماعي والمعنى السياسي (وفي حالة السياسة فإن الابن هو المواطن المهمّش). وقد تكون حرية "الابن" هي المفتاح الحقيقي لحرية الجميع، بما في ذلك المرأة. بل إن الذهاب إلى الاعتقاد بأن حرية الابن هي التي يُفترض أن تكون شرط القضاء على الأبوية وتجاوز التخلف العربي، يبدو أكثر منطقية من الاعتقاد بأولوية حرية المرأة. فتحرير الابن، يعني بالضرورة أن لا سلطة لأحد على أحد تمنح الكبير قدسية المعرفة وامتلاك الحقيقة، ويعني بالتالي حتمية الديمقراطية على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ما يتضمن بالتأكيد حرية المرأة ومساواتها وتفعيل أهليتها في المشاركة.
هذا كله يعني أن ثمة حاجة لمراجعة تلك الأفكار التي تعودنا ترديدها منذ نشوء الدولة العربية المعاصرة، ثم نقد مجتمعاتها حضارياً. علينا أن نراقب اليوم ما إذا كانت ثورات الربيع العربي ستفضي الى تمحيص فكرة تحرير المرأة العربية ومضامينها، ما دامت تلك الثورات قامت على فكرة التحرير التي تستهدف المجتمع كله، وتعنى بالنتائج النهائية لا بمسارات الوصول الى التحرير.

samer.khair@alghad.jo

التعليق