محمد برهومة

ملكة جمال مختلفة

تم نشره في الجمعة 4 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 02:00 صباحاً

في الشهر الماضي، فازت الطالبة النيجيرية أوبابييي عائشة أجيبولا، البالغة من العمر 21 سنة، بلقب "ملكة جمال المسلمات". وهي مسابقة تقام للمرة الأولى. وإذ يبدو هذا الخبر ترفيهيا ومسليا، يجد مكانه في الصفحة الأخيرة من الصحف أو في أبواب الفن، فإنه في الحقيقة ينطوي على الكثير من المعاني التي تفتح بابا للنقاش والجدل الفكري الجادّين.
وعلى حين يتراءى في الانطباع الأوليّ أن مسابقة "ملكة جمال المسلمات" ردّ مضادّ على مسابقة "ملكة جمال العالم"، فإن مشابهة الفكرة والخضوع لمنطقها يعيد من جديد إنتاج الديني، ويقيم بالتالي علاقة ما بين الديني والعلماني، ويؤسس إلى أن قراءة الدين والتدين من الصعب فصلها عن قراءة العلمانية والعلمنة، وأن أنماط التدين لا تتحدد بمعزل عن أنماط العلمانية وصيرورات العلمنة والحداثة.
وقد نقلت لنا "وكالة الصحافة الفرنسية" أن الطالبة النيجيرية الحائزة على اللقب، والتي فازت برحلة إلى مدينة مكة، "قد أجهشت بالبكاء، شأنها في ذلك شأن كل الفائزات بمسابقات الجمال في العالم، عند إعلان فوزها من قبل لجنة التحكيم".
في كتابه "الجهل المقدّس: زمن دينٍ بلا ثقافة"، أقام الباحث الفرنسي أوليفييه روا مقاربته على القول إنّ ثمة رابطة وثيقة بين العلمنة والانتعاش الديني. ورأى أن الأخير قد يكون احتجاجا على حداثة مستلبة أو وهمية، أو كشكل مختلف للدخول في الحداثة. وهو ما يبيح القول إن العلمنة تصنع الديني أيضا.
مسابقة ملكات الجمال في أساسها احتفاء بالجمال: مكشوفا كان أم مستورا؛ هي احتفاء بالشخصي والفردي والمستقلّ، احتفاء بالأنا وزهوها بتميزها عن الآخر. لعل هذا يحرّض على التساؤل: ألا يتم هنا استدخال الديني في "لبرلة" غير خافية؟ ألا يكمن في تضاعيف مسابقة المحجبات اعتداد بالجسد أكثر من الاعتداد بالحجاب؟ أليس ذلك ما يجعلها حدثا واستثناء؟ وهل الثقافة الدينية الرائجة قابلة لإعطاء المرأة وجسدها حيّزا ليكون ميدان تسابق وتنافس، حتى لو كان هذا الجسد محجّبا، وكانت مكافأة فوزه بمعايير الجمال رحلة إلى مكة المكرّمة؟
مسابقة جمال المحجبات ربما تعني الاستجابة لسطوة الموضة، بما هي تنميط، واستجابة لمنطق "العولمة" القائم على التهجين وتعزيز المشترك، برغم أن هذه المسابقة في ظاهرها تقدم على أنها "مختلفة" وأن الحجاب ليس عائقا. وأنْ تكون ملكة الجمال محجبة ومسلمة، لا ينفي المنطق المعولم، مثلما لا ينفي منطق الاستهلاك المعولم الكامن في "الموبايل" مثلا، في حال وضعنا الأدعية الدينية والأناشيد وآيات القرآن أو الأذان بديلا مفتاحيا للموبايل عن رنات الموسيقى والأغاني وسوى ذلك. ولنا أن نتساءل: أليست الفردية الأنثوية حاضرة في هذه المسابقة المحجبة؟ أين توارى مبدأ مداراة الفتنة الأنثوية فيما تستهدف المسابقة تظهيرها والتدقيق في انطباقها مع المعايير؛ وهو تدقيق وسيلته النظر، بل إمعان النظر؟
وإذا استعرنا لغة أوليفييه روا، هل يجوز القول إن مسابقة المحجبات قد تكون شكلا مختلفا للدخول في الحداثة، وتأثرا بمنطقها المعلمن أساسا؟ أم أنها، في الوجهة الأخرى، استكمال لوعي ديني مأزوم ومرتبك، يميل إلى صناعة نمط من التدين تتمكّن نوازع الضدية تجاه الغرب فيه؛ إذ هذا الغرب هنا هو صاحب فكرة ملكة جمال السافرات؟
الواقع أن في المسابقة إعلانا وإشهارا، هما معاكسان لفكرة الحجاب القائمة على الحجب والتواري. ولعل هذا ما دفعنا إلى الكلام عن وعي ديني مأزوم ومتردد، أمام خيارات الحداثة والعصر، ويحاول التعويض عن عدم اتساقه الذاتي أمامهما بالاتجاه إلى وعي ضدي أو تشدد ديني يُعنى بالشكل، وينهض على تشييء الإيمان، فيما هو يواجه حداثة ليست من صنعه، وعالما غريبا عليه، لكنه يبقى يستهويه ويجذبه، وهذا مصدر الأزمة في ذاك الوعي.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحليل عميق (سعيد)

    الجمعة 4 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    اتفق مع التحليل للظاهرة لكنني ارى ان مصدر الأزمة في الوعي الذاتي ليس منشؤه رد فعل او انعكاس للآخر لان هذا عرض للمشكلة وانما هو تخلخل عناصر بناء الذات والهوية التي تشكل الموقف من الحياة ومن الاخر