محمد سويدان

تحذيرات تأخذها الرياح

تم نشره في الثلاثاء 1 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً

منذ أكثر من ثلاث سنوات، ونحن نقرأ عن تحذيرات تطلقها النقابات المهنية، وغيرها من الهيئات المدنية، بشأن خطورة عدم ربط مخرجات التعليم الجامعي بسوق العمل. ومع أن التحذيرات كثيرة، ومضامينها خطيرة، إلا أن أحدا من الجهات المسؤولة عن التعليم الجامعي لم يلتفت إليها، أو قام بإيلائها الأهمية التي تستحق. وأدى ذلك، للأسف، إلى انكفاء النقابات المهنية وغيرها من الجهات والهيئات المدنية على نفسها، واقتصار فعلها على هذا الصعيد على التحذيرات التي يطلقها مسؤولون نقابيون، من خلال تصريحات صحفية أو لقاءات محدودة.
مناسبة هذا الحديث هي تحذيرات نقيب المهندسين عبدالله عبيدات، خلال حفل أداء القسم القانوني للمهندسين الجدد في فرع نقابة المهندسين في إربد، أول من أمس. إذ حذر من معظم التخصصات الهندسية، وأن فرص العمل للمهندسين في القطاعين العام والخاص أصبحت محدودة. وعزا ذلك إلى تزايد عدد الخريجين الجدد من المهندسين؛ إذ قدر أن يصل عدد المهندسين الجدد المنتسبين للنقابة خلال العام الحالي إلى نحو 8500 مهندس ومهندسة. مشيرا إلى أن عدد أعضاء نقابة المهندسين تجاوز 108 آلاف مهندس ومهندسة.
طبعا، هذه التحذيرات ليست جديدة، وإنما قديمة. لكن وزارة التعليم العالي، ومجلس التعليم العالي، والجامعات الحكومية والخاصة، لم تقف أمامها، وتعاملت معها وكأنها تصدر عن جهة غير مختصة. مع أن الصحيح والواجب، هو أن تشارك نقابة المهندسين وغيرها من النقابات المهنية والجهات المعنية، في رسم سياسات التعليم العالي، من حيث التخصصات والمناهج، وغيرها من القضايا. فالنقابات هي التي تعرف سوق العمل واحتياجاتها، وتستطيع تحديد مدى حاجة السوق إلى هذا التخصص أو ذاك.
وهذه الأمور بدهية، متعارف عليها في الكثير من دول العالم؛ بحيث تقوم الجهات والهيئات التي على تماس مع سوق العمل، بتقديم التوصيات والاقتراحات، والمشاركة في صنع القرار. ولكن عندنا لا أحد يلتفت إليها؛ ومهما كان صوتها عاليا، فإنه يخفت مع الوقت، وتصبح تحذيراتها، ودراساتها، واقتراحاتها، في ملفات محفوظة لديها، من دون أي أمل في التطبيق على الأرض. وعندما تسأل المسؤولين عن النقابات حول أسباب البطالة في التخصصات التي من المفروض أن ترعاها (النقابات) وتشرف عليها، يقولون إنهم عملوا ما عليهم، وإن الجهات الحكومية المسؤولة لا تأخذ باقتراحاتهم لمعالجة هذه الحالة الخطيرة. وهذا يحدث، ولكن النقابات عليها مسؤولية أخلاقية تجاه المنتسبين إليها، والذين سينضمون لها في المستقبل، كما تجاه المجتمع، وأن لا تكتفي بالشرح والتحذيرات والتوعية؛ بل عليها أن تفعل كل ما تستطيع لفرض نفسها كجهة مسؤولة في رسم سياسات التعليم العالي.
لا يجوز أن تشتكي النقابات المهنية من أن العديد من التخصصات الجامعية مشبعة، وأن الكثيرين من الخريجين الذين كلفوا ذويهم مبالغ كبيرة، مصيرهم البطالة. على النقابات  وغيرها من المؤسسات التي على تماس مباشر مع سوق العمل، أن تبذل جهودا كبيرة تجاه أن يكون لها دور كبير في القرارات المتعلقة بالتعليم العالي، وبالتخصصات الجامعية. من الواضح أن الحكومات المتعاقبة، والجامعات، لا تتعامل مع النقابات المهنية كبيوت خبرة، وكمؤسسات قادرة على تحديد احتياجات سوق العمل. كما أنها لا تهتم كثيرا بمتطلبات وحاجات سوق العمل. وهذا امر يجب أن يتغير، وإلا فإن نسبة البطالة في صفوف المهنيين سترتفع إلى مستوى خطير، أكبر مما هي الحال الآن بكثير، وستكون انعكاساتها سلبية على الجميع.

التعليق