من شاشة التلفزيون

تم نشره في السبت 21 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً

ليس جديداً القول إن المسلسلات الكرتونية تساهم مساهمة كبيرة في تشكيل نفسية الأجيال من الأطفال الذين يتابعونها، وتؤثر في صياغة أحلامهم وعواطفهم. ومع ظهور الفضائيات المتخصصة ببرامج الأطفال، التي تبث برامجها على مدار الساعة، عوضاً عن التلفزيونات المحلية التي كانت تبث تلك البرامج في ساعات محددة ومحدودة، فإنه لا يمكننا الجزم إن كان دور المسلسلات الكرتونية قد تعاظم تجاه أطفال هذه الأيام، أم أنه كان أكبر في العقود الماضية، حين كان الجيل كله مضطراً لأن يتابع المسلسل الكرتوني نفسه، فيكون تأثيره على ذلك الجيل أكثر تركيزاً!
في كل الأحوال، فإن ثمة أعمالاً كرتونية "خالدة"، اشتُقت من قصص وروائع عالمية، صاغت الهوية العاطفية لأجيال، بات أفرادها اليوم أرباب أسر، اجتماعياً ووطنياً؛ بل وأثّرت في تحديد الطموح الشخصي لكل منهم. وربما بسبب هذه المسلسلات صاروا أكثر عاطفة، أو أقل عنفاً، وانعكس ذلك على تفاصيل حياتهم اليومية في البيت والعمل والعلاقات الاجتماعية.
وثمة مسلسلات كرتونية أخرى، تعلّقت بها أجيال تالية من الأطفال، صاغت نفسيتهم في اتجاه معاكس؛ أي إلى جانب العنف، ولو بمعناه المعنوي، لأن فكرتها الأساسية قامت على "الحرب" وتعظيم "فضيلة القتال"، برغم احتوائها -أيضاً- قيماً إنسانية. وأذكر هنا على سبيل المثال أعمالاً مثل "الحوت الأبيض"، و"عدنان ولينا"، وهذا الأخير طبّقت شهرته الآفاق!
قد يكون ذا مغزى أن نلاحظ أن تلك الأعمال قد أُنتجت، أو نُقلت إلى العربية، في العراق، إبان الحرب الطويلة مع إيران. وهو ما قد يكون مؤشراً على الهدف من إنتاج تلك الأعمال دون غيرها؛ وهو صياغة نفسية الأطفال إلى صف حب حمل السلاح، وإطلاق القذائف والصواريخ، ليصيروا بعد سنوات قليلة، شباباً يحبّون الانضمام للجيش، ويستمتعون بفكرة الحرب، ضمن مسعى شامل لإنشاء "شعب محارب"!
قد يقول قائل إن تلك الأعمال كانت ترمي إلى تعزيز قيمة "الدفاع عن الوطن"، أو حتى "مناهضة الحرب" عبر إظهار ويلاتها. ربما يكون ذلك صحيحاً في وجه من الوجوه، لكن حين تكون القصة التي تحتوي مناظر حمل السلاح وإطلاق النار، موجهة للأطفال، فإنه لا يهم إن كانت تدعو للحرب أو تدعو لعدم الحرب؛ إذ هي في كل الأحوال تحصر تفكير الطفل بالحرب والقتل والعنف.
وتتضح الصورة عند مقارنة تلك الأعمال الكرتونية "الحربية"، بالأعمال الأخرى القائمة على قصص اجتماعية. فتكريس قيم حب الوطن واحترام الآخر، بل وقيم المثابرة والصدق، يمكن أن يتأتى من خلال قصص إنسانية، لا ذكر فيها للحرب والدمار!
وقد يعتقد معتقد أننا كأمة مهزومة عسكرياً، نحتاج إلى بث قيم الحرب والقتال في أطفالنا، كي نبني أجيالاً تمتشق السلاح، فتطرد المحتل وتحرر الأرض. للأسف، فإن فكرة كهذه آتت نتائج عكسية كما نرى؛ إذ إن قيم العنف التي تم غرسها في الأطفال، تم تفريغها في المجتمع لا على جبهة القتال. فبينما بقينا أمة مهزومة عسكرياً، أصبحنا مجتمعات أكثر عنفاً، بالمعنى المعنوي أيضاً؛ فقد زادت مشاعر الكراهية بين الناس، وأدت إلى تحلل "المجتمع" إلى أشخاص يتنافسون فيما بينهم، ويتسابقون على خطف كعكعة "الوطن!"، بدون أن يكون لهم همّ وطني واحد، يجمعهم لصياغة برنامج وطني أو حتى مشروع مطلبي مشترك!
ثمة مقولات تربوية رائجة، تؤكد أهمية السنوات الأولى من عمر الإنسان في تشكيل وعيه. لهذا، فإن الأعمال الكرتونية التي يتعلّق بها الأطفال ليست مجرد وسائل للتسلية والاستمتاع وقضاء الوقت، إنها أكثر من ذلك بكثير. فلنتنبه إذن لما يشاهده أطفالنا، ولنساعدهم على امتلاك قيم الحب والصدق واحترام الناس، لعلنا نصنع بهم جيلاً ناجحاً، فذلك هو -في الحقيقة- ما يحرر الأرض ويطرد المحتل.

[email protected]

التعليق