إبراهيم غرايبة

مخزون مفاجئ من الكراهية

تم نشره في الأربعاء 18 أيلول / سبتمبر 2013. 02:00 صباحاً

لعلّ أكثر وأهم الدروس في الأزمة السورية، هو المقدار الهائل والعميق من الخراب والخلل في بنية ومنظومة التفكير والضمير، وميزان الأخلاق والوعي والتقويم والتفكير، لدى العرب؛ دولاً ومجتمعات وأفراداً وجماعات وأحزاباً وتيارات سياسية وفكرية، وأن الإصلاح يحتاج إلى عمليات هدم كبرى بمقدار، وربما أكثر مما يحتاج من عمليات بناء جديدة أو بديلة.
هذا الاستعداد الأخلاقي لقبول، بل وتشجيع القتل بالجملة؛ والتعصب البدائي الجاهلي للطوائف والقبائل والأديان، يبدو كما لو أن موجات التحرر والمساواة والتنوير وحقوق الإنسان والحيوان والبيئة والتقدم العلمي والتقني والارتقاء الاجتماعي، مرت على البلاد والمجتمعات العربية مروراً عابراً سطحياً.
الصدمة الكبرى أن هذه التشكلات البدائية مدعومة بأفضل الكفاءات العلمية والتقنية، ويقودها ويديرها أصحاب شهادات علمية عليا، منخرطون في تيارات سياسية وفكرية، دينية وإسلامية وقومية ويسارية وليبرالية، يفترض أنها تقدمية!
الفشل والخواء وتدمير الذات التي كشفت عنها الأزمة السورية، لا تمثل صدمة واحدة، وليست وحدها وبذاتها صدمة، ولكنها صدمات مثل نصال تتكسر على النصال؛ الذكاء والعبقرية في إدارة الفشل وتدبيره، والخبرات العلمية والتقنية والجهود الإعلامية والسياسية والفكرية لإنتاج الفشل والكراهية والتعصب القبائلي والطائفي، وتبرير الهمجية وتسويغها! تيارات دينية تعيد إنتاج الدين على نحو مخيف مدمر، تستوعب الحداثة والديمقراطية والعلوم والتقنية لإنتاج التخلف والبدائية وتجارة البشر! ويساريون وماركسيون يستخدمون المعرفة المتقدمة والمهارات التحليلية والجدلية وقيم العدالة الاجتماعية والاشتراكية، لتقديم النيرونية وأبشع أنواع الاستبداد والإبادة على أنها نضال ومقاومة وانتصار على الإمبريالية! كيف يبدو نصراً ذلك القتل والتدمير؟ انتصار من على من؟ كيف تتحمل تلك الأجساد والنفوس ذلك المقدار الهائل العميق من طاقة الاستمتاع بالقتل وعشق الدم وعبادته؟
أظن أن الأزمة السورية تُحدث صدمة عميقة في السلوك والتفكير العربي؛ رفضاً شاملاً للنخب والتيارات والأفكار السياسية والفكرية والدينية، وردود فعل معاكسة لكل الاتجاهات السائدة في هذه اللحظة. ولا أعني أن ذلك أمر حسن بالضرورة؛ ففي هذا الألم العميق، والضحالة الفكرية والرؤيوية، والخواء الروحي والأخلاقي الذي زادته التيارات الدينية وكرسته، يصعب التنبؤ بنشوء مجتمعات تقوم على التنوير والتسامح، وتعلي من شأن الفلسفة والفنون والجمال في التعليم والحياة والتفكير، وهي الشرط الأساسي والعتبة الأولى للإصلاح، والتي لا يمكن تخطيها ولا يمكن إلا العودة إليها؛ العودة المؤلمة والمكلفة أيضاً، إذ سننفق على الهدم أضعاف ما نبذله لأجل الإصلاح!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تشخيص لنتائج وحلول عائمة!!! (د.خليل غكور-السعودية)

    الأربعاء 18 أيلول / سبتمبر 2013.
    السلام عليكم وبعد
    ابدع الكاتب في سرد النتائج التي الت اليها الامور في عالمنا العربي , ومن منطلق فكري لا اسلامي ذهب الى وضع الحلول العامة وهي لا تتعارض مع اي فكر سليم في الاطار ولكن الاختلاف سيكون حتما في التفاصيل الى درجة التضاد ولا ضير في ذلك ما دمنا نحترم الفكر الاخر ولن تجد افضل من الاسلام اطارا يستطيع التعامل مع كل الاتجهات الفكرية ما دامت لا تتعارض مع اهم نقطة في جوهر الاسلام الا وهي وحانية الله وما عدا ذلك فكل شيء قابل للنقاش والاختلاف بشرط النقاش الايجابي لا الاقصائي واتمنى ان نصل الى ذلك ولكن ما يجري لا يبشر بخير ابدا ليس فقط في سوريا بل وفي مصر ...وحتى الاردن!!
  • »اهل العقد والحل (محمود محمد فاضل العواملة)

    الأربعاء 18 أيلول / سبتمبر 2013.
    تحياتي الى الكاتب المبدع ابراهيم الغرايبة فهو يضع اصبعه على الجرح دائما فاين اصحاب القلوب الكبيرة واصحاب العقول المستنيرة لوقف هذا المشهد المحزن والمخزي للامة العربية والاسلامية فكل ما تعمله الدول الخارجية هو حماية انفسها واسرائيل فقط ولا تنظر باي قلل للذين يذبحون يوميا
  • »كلام جميل (ناصر)

    الأربعاء 18 أيلول / سبتمبر 2013.
    نمر بزمن يعبر عن ما وصفه أشرف الخلق عليه الصلاة و السلام و لايمكن الزياده عليه.
  • »مخزون مفاجئ من الكراهيه (د. اليكس ابو غزاله)

    الأربعاء 18 أيلول / سبتمبر 2013.
    اود ان ابدي اعجابي الشديد وتقديري للكاتب الكبير ابراهيم غرايبه في كل مقالاته والتي تعكس الفككر المستنير والادراك الواسع للواقع العربي الذي نعيشه وخصوصا مفهوم المواطنة والمجتمع والمؤسسيه واتمنى ان يستمر ولا يحبط وحقيقة استمتع بكل مقال يكتبه واتمنى ان يكون هناك من يقرأ لهذا الكاتب الرائع.