منار الرشواني

قومية الأقنان!

تم نشره في السبت 31 آب / أغسطس 2013. 02:00 صباحاً

رغم كل الجدل، وحتى الغموض، اللذين يلفان الضربة العسكرية الأميركية "المفترضة" عقاباً لنظام بشار الأسد على استخدامه السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري، يظل المؤكد حد اليقين هو أن أكثر التواقين إلى هذه الضربة ليس إلا أنصار الأسد ذاته.
فالضربة "المحدودة" التي قدمت أميركا كل الضمانات للنظام بأنها لا تهدف إلى الإطاحة به أو تغيير ميزان القوى على الأرض لمصلحة الثوار؛ سيكون ممكناً استغلالها من قبل أنصار الأسد لتوجيه الأنظار إلى "العدوان الخارجي"، أياً كان عدد ضحاياه، والتغطية بالتالي على قتل النظام أكثر من مائة ألف مواطن سوري حتى الآن، بمن فيهم جنود الجيش الذي زُج به في حرب ضد الشعب.
بالنسبة لهؤلاء، وباسم القومية العربية واليسار المناهض للإمبريالية خصوصاً، فإن القضية ليست أبداً السوريين الضحايا؛ سواء الذين قُتلوا واعتقلوا وهُجروا واختفوا على يد النظام مباشرة أو بفضل سياساته الدموية، أو الذين سيسقطون خلال الهجمة الأميركية. الجدل عند هؤلاء، وبشديد صراحة، حول هو هوية المجرم الجلاد الذي "يحق له" قتل الأبرياء! أمر يذكر بنظام "عبودية الأقنان" الذي عرفته أوروبا القرون الوسطى؛ وبموجبه كان يتم استرقاق مواطنين (وليس من بلاد أخرى لاسيما أفريقية)، تنتقل ملكيتهم بين "السادة" مع انتقال ملكية الأرض المستعبَدين عليها؛ تماماً مثل المواشي والآلات والأحجار. هكذا فقط يكون من "حق" الأسد تماماً، وفق الشرعية القومية واليسارية، قتل ما شاء من السوريين، فيما يكون التدخل الخارجي؛ أميركياً أو سواه، اعتداء، لكن على "ممارسة الأسد حقه في ملكية الشعب السوري".
ووفق هذا المنطق (إن كان منطقاً) يمكن الافتراض حد الجزم أيضاً، أن أنصار الأسد، وليس سواهم، هم من يتوقون إلى رؤية مذبحة طائفية ترتكبها "القاعدة"، كما توعدت، بحق مواطنين سوريين علويين، انتقاماً لمذبحة الغوطة الكيماوية. فهنا أيضاً يغدو الضحايا الأبرياء مجرد ورقة توت، يتم استخدامها لتغطية عورة مواصلة سفك دم كل السوريين على يد النظام، والذين ينتمون حتماً إلى كل أديان سورية ومذاهبها وطبقاتها.
إن كان ما سبق فاجعة تكفي بحد ذاتها، فالحقيقة أن الفاجعة الأشد هولاً هي أن سورية وشعبها ليسا أول ضحايا "قومية الأقنان". لقد سبقهما إلى ذلك العراق وشعبه، حين كان مالك مصيرهما صدام حسين، فساقهما إلى الهلاك بكامل الدعم القومي الذي لم يلق بالاً لشعب مضطهد. ورغم كل ذلك، لا تجد إلا الإصرار الغريب والمريب على تكرار ذات السيناريو بتأييد تدمير سورية حلاً وحيداً في مواجهة مطالب السوريين بالحرية والعدالة؛ إذ تقرر أنهم بذلك إرهابيون وخونة مندسون؛ بمن فيهم "رفاق" سابقون ما يزال الأسد يصر على ملاحقتهم واعتقالهم وإخفائهم، وإن رفضوا عسكرة الثورة، وأدانوا التدخل الخارجي، لكنهم أصروا على الحرية.
أحياناً لا يمكن أن تفكر بما يجري في سورية منذ عامين ونصف العام إلا بعقلية المؤامرة. لكنها حتماً ليست مؤامرة على نظام الأسد، بل هو وأنصاره مشاركون فيها، ضد سورية. يشهد على ذلك بقاؤه في السلطة مع كل هذا العدد المهول من القتلى، وملايين اللاجئين والنازحين، وعدد غير معروف من المعتقلين، ودمار يتنقل على امتداد من كانت مهد الحضارة وقلب العالم الحي.. في مقابل عالم متفرج يتذرع بالخلاف على وسيلة الإبادة المستخدمة؛ مباحة أم محرمة!

manar.rachwani@alghad.jo

التعليق